في 14 سبتمبر 2026، نشر أربعة باحثين من قسم الذكاء الاصطناعي في جامعة أجو بكوريا الجنوبية ورقةً بعنوان «Empathy Is Steerable but Multi-Axial»، أي أن التعاطف قابل للتوجيه لكنه متعدد المحاور. قُبلت الورقة في المؤتمر الرئيسي لـ EMNLP 2026، أحد أبرز المؤتمرات المحكّمة في معالجة اللغة. والسؤال الذي تطرحه بسيط في ظاهره: هل يمكن رفع تعاطف نموذج لغوي أو خفضه من داخله، كما نرفع مستوى الصوت أو نخفضه؟

للسؤال وزنه. تذكّر الورقة في مقدمتها أن ردود النماذج اللغوية باتت تُقيَّم في دراسات سابقة على أنها أكثر تعاطفًا من ردود البشر. وهذه النماذج هي التي يلجأ إليها كثيرون حين يشعرون بالوحدة، وهو ما تناولناه في مراجعتنا للأبحاث حول رفقاء الذكاء الاصطناعي والوحدة. غير أن درجة التعاطف المرتفعة لا تقول لنا كيف يكون الرد متعاطفًا.

التعاطف ليس شيئًا واحدًا

اعتمد الباحثون إطارًا معروفًا في دراسة محادثات الدعم يُسمّى EPITOME، يقسم التعاطف الداعم إلى ثلاث آليات. الأولى هي ردود الفعل العاطفية: أن يعترف المجيب بما يشعر به الشخص. الثانية هي التفسير: أن يُظهر فهمه لموقفه. والثالثة هي الاستكشاف: أن يطرح سؤالًا يدعوه إلى قول المزيد.

لكل آلية مصنِّف آلي يمنح الرد درجة من صفر إلى اثنين، وقد دُرِّب على محادثات دعم من منصة Reddit علّق عليها بشر. قد يحقق ردٌّ ما آليةً ويُخفق في أخرى. فالرد الذي يعترف بألم الشخص ثم ينتقل مباشرة إلى النصيحة يختلف عن رد يسأله عمّا حدث بالضبط.

كيف تعمل التجربة: توجيه النموذج من الداخل

داخل النموذج اللغوي، تمرّ كل كلمة عبر سلسلة من الطبقات الحسابية، وفي كل طبقة تتحول إلى قائمة طويلة من الأرقام تُسمّى التنشيطات. الفكرة التي اختبرها الباحثون تُعرف بتوجيه التنشيطات: نقارن ما يحدث داخل النموذج حين يكتب ردًّا غنيًّا بآلية معيّنة، وما يحدث حين يكتب ردًّا يخلو منها، فنستخرج «اتجاهًا» يلخّص الفرق. ثم نضيف هذا الاتجاه أثناء توليد الرد، دون إعادة تدريب النموذج ودون تعديل التعليمات التي يراها المستخدم.

جُرِّبت الطريقة على ثلاثة نماذج مفتوحة: Llama 3.1 وQwen2.5 وMistral، بأحجام تتراوح بين سبعة وثمانية مليارات معامل. وكانت النتيجة الأولى مشجعة. في الطبقات الوسطى من النماذج الثلاثة، يحرّك الاتجاه المستخرج درجات التعاطف بثبات. دفعُ اتجاه ردود الفعل العاطفية يضيف اعترافًا بالمشاعر، ودفعُ اتجاه التفسير يضيف قراءةً للموقف، ودفعُ اتجاه الاستكشاف يضيف سؤال متابعة.

وصمدت النتيجة حين أعاد الباحثون التقييم بمصنِّف آلي ثانٍ مختلف، وانتقل جزء منها إلى محادثات من مجال آخر غير الذي استُخرجت منه الاتجاهات.

التعاطف، بهذا التعريف، يمكن توجيهه.

المفاجأة: المحاور متشابكة

لكن الصورة أعقد من ذلك. أراد الباحثون أن يعرفوا المزيد: هل هذه الآليات الثلاث مستقلة داخل النموذج، بحيث نرفع واحدة دون أن نمسّ الأخريين؟ الجواب: لا، في جزء كبير منه. الاتجاهات الثلاثة قابلة للفصل جزئيًّا فقط، فهي تتقاسم بنيةً مشتركة، ودفعُ واحد منها يحرّك الآخرين أيضًا. وحتى التعليمات المكتوبة يدويًّا لطلب مزيد من التعاطف تغيّر ملامحه كلها بدل أن تعزل بُعدًا واحدًا منه.

هذه هي الفكرة الأساسية.

ومنها جاء عنوان الورقة: التعاطف في هذه النماذج ليس سمةً واحدة تُضبط بزر واحد، بل تركيبة من محاور متداخلة.

الشخصية تغيّر كل شيء

الجزء الأقرب إلى تطبيقات الرفقة هو ما يتعلق بالشخصيات. حين يُطلب من النموذج أن يتقمّص شخصية، كأن يكون شخصًا متعاطفًا أو ساخرًا متشائمًا، أو معالجًا نفسيًّا أو مهندسًا، تتغير درجات تعاطفه تغيرًا كبيرًا. وقد قاس الباحثون ذلك على 200 منشور طلبِ دعم لكل شخصية. الفارق ليس هامشيًّا.

غير أن هذا التغير لا يمرّ عبر الاتجاهات الثلاثة التي استخرجوها. عند الطبقة الخامسة عشرة، لا تفسّر هذه الاتجاهات سوى نحو 3 في المئة من التحول الداخلي الذي تُحدثه الشخصية. بعبارة أخرى، حين نمنح الآلة شخصية، يتغير تعاطفها بطرق أوسع بكثير مما يلتقطه مقياس التعاطف نفسه. ولضبط تعاطف شخصيةٍ ما، يقول الباحثون إننا نحتاج إلى استهداف بنية تتجاوز هذه الاتجاهات الفردية.

النتيجة عملية. من يصمم رفيقًا آليًّا لا يستطيع أن يكتفي برفع «مؤشر التعاطف» وخفضه، ولا أن يفترض أن شخصية «لطيفة» تعني تلقائيًّا ردودًا أكثر دعمًا. فالمسألة تشبه ما عرضناه في مقالنا عن الذكاء الاصطناعي الذي يوافقك دائمًا: السلوك الذي نراه على السطح نتيجة تركيبة داخلية أعقد، وتعديل جانب منه قد يحرّك جوانب أخرى دون أن ننتبه.

حدود الدراسة

يعدّد الباحثون أنفسهم حدود عملهم. أولًا، القياس كله آلي: المصنِّفات تقريب لأحكام البشر، ولم تُجمع تقييمات بشرية للردود بعد توجيهها، فلا نعرف إن كان الناس سيشعرون فعلًا بتعاطف أكبر. ثانيًا، اثنان من المصنِّفات يتصرفان عمليًّا كأنهما يعطيان صفرًا أو اثنين فقط، ما قد يضخّم حجم التأثير الظاهر. ويخص الباحثون الاستكشاف بتنبيه: أن يضيف النموذج سؤالًا في آخر رده لا يعني أنه صار يفكر في حال الشخص بعمق أكبر، فقد يكون الأمر مجرد تغيير في الأسلوب يلتقطه المصنِّف. ثالثًا، مجموعة الشخصيات المستخدمة ضيقة وتميل إلى السياق الأمريكي، وقد جاءت نتائجها من تشغيل واحد، لذلك يرفض الباحثون استخلاص أي حكم عام على فئات سكانية.

ويضيفون تحذيرًا أخيرًا: الاتجاه نفسه الذي يرفع التعاطف يمكنه أن يخفضه إذا عُكس. لذلك يرون أن أي استخدام فعلي يتطلب تقييمًا بشريًّا ومراجعة للسلامة وضمانات واضحة.