Refletsأخبار · العطاء والمشاركة
بعد 11 عامًا، أسرة في برطباط تقبل الكفن وتفتح سرادق العزاء بجوار سرادق الصلح
أنهت جلسة صلح عرفية في قرية برطباط بالمنيا خلافًا بين أبناء عمومة دام 11 عامًا، بتسليم الكفن إلى أربعة أشقاء وبشرط جزائي قيمته مليونا جنيه على من يخالف الاتفاق.

تسلّم أربعة أشقاء كفنًا قدّمته أسرة أبناء عمومتهم في قرية برطباط التابعة لمركز مغاغة شمال محافظة المنيا، فانتهى بذلك خلاف استمر 11 عامًا داخل عائلة أبو علي. وذكرت «مصراوي» في 14 أكتوبر 2026 أن أسرة المتوفى أقامت سرادق العزاء بجوار سرادق جلسة الصلح فور انتهاء المراسم.
ما جرى في برطباط
بدأ الخلاف عام 2015. وتقول جريدة «جماهير» إن سببه خلافات الجيرة بين أبناء العمومة، وإنه انتهى حينها بمقتل شاب. أما موقع «أهل مصر» فيكتفي بالقول إن الخلافات استمرت على مدار السنوات التالية، إلى أن أثمرت جهود الأجهزة الأمنية ولجنة المصالحات العرفية في إنهائها.
جاءت الجلسة بتنسيق بين الأجهزة الأمنية في المنيا ولجنة المصالحات العرفية وكبار رؤوس العائلات. وحضرها اللواء أحمد عزت، مدير أمن المنيا، ومعه عدد من قيادات المديرية، إلى جانب كبار العائلات ومئات من أهالي القرية، بحسب «أهل مصر». وفرضت الأجهزة الأمنية إجراءات مكثفة حول مكان الانعقاد لتنظيم الدخول والخروج.
وفي قلب المراسم سُلّم الكفن إلى أشقاء المتوفى الأربعة. ووفق «مصراوي»، تضمن الصلح أيضًا شرطًا جزائيًا قيمته مليونا جنيه يُفرض على الطرف الذي يخالف بنوده. وتذكر مواقع محلية أخرى، منها موقع «البلد»، أن الإجراءات شملت التراضي وسداد الدية وتسليم الكفن.
لم تنشر التقارير المحلية مبلغ الدية، ولا ما إذا كانت أسرة القاتل أو العائلة كلها هي التي دفعتها.
كلفة الصفح
يُنظر إلى العفو عادةً على أنه شيء يُمنح بلا مقابل، لكن الخبر يحصيه بالأرقام: أحد عشر عامًا من الخلاف، وكفن يُسلَّم على مرأى من الأهالي، وبند جزائي يحمي الاتفاق. وتحمّلت أسرة المتوفى كلفة أخرى لا تظهر في الأرقام. فقد أقامت عزاءها فور انتهاء جلسة الصلح، وفق «جماهير»، أي أنها استقبلت المعزين في اليوم الذي قبلت فيه الكفن.
ويشرح الباحث في التراث الشعبي أيمن عثمان، في تقرير نشره «رصيف22» في 10 أبريل 2021، لماذا يصعب هذا القرار. فأسرة القتيل، كما يقول، لا تسمح بالتفريط في حقه وإلا ضاعت هيبتها بين بقية العائلات. ويضيف أن الصلح يحدث بصعوبة بالغة، وأن إقناع القاتل بتقديم الكفن صعب بدوره. وتصف جريدة «الوطن» الصورة التقليدية للمشهد: يذهب القاتل إلى أسرة القتيل حافي القدمين حاملًا كفنه على ذراعيه، ويكون القرار في النهاية لتلك الأسرة، إما أن تقبله إشارة إلى العفو والسماح، أو ترفضه تأكيدًا على التمسك بأخذ الثأر.
أما الكاتب فتحي عبد السميع، صاحب كتاب «القربان البديل»، فيقرأ المشهد من الجهة الأخرى. فبرأيه يثبت الاحتفال العلني أن أهل القتيل «قبلوا ليس ضعفاً منهم، ولكن لقدرتهم على العفو». وهكذا يصير العطاء هنا فعلًا يراه الجيران جميعًا، لا قرارًا يبقى بين أسرتين.
طقس يُبنى على مهل
وفق «رصيف22»، لا يبدأ تقديم الكفن، أو «القودة»، يوم الجلسة. يتصل شخص يُعرف بـ«قاضي الدم» بعائلتي القتيل والقاتل، وتمتد محاولاته أشهرًا بل سنوات. ويعاونه «الأجاويد»، وهم شخصيات لها مكانتها الاجتماعية. وينقل التقرير عن الباحث محمد شحاتة العمدة أن عدد أفراد المحكمة العرفية يكون فرديًا حتى يترجح رأي على آخر عند الاختلاف، وأن تكلفة الجلسة يتحملها شخص يسمى «راعي البيت»، ثم يستردها من أهل القاتل بعد الصلح.
ويحضر الجلسة رجال شرطة وقضاة وأحيانًا مسؤولون، بحسب العمدة، ليكون للصلح ثقل بين الناس. وعندما يُقبل الكفن يقول أهل القتيل: «عفوت عنك»، ثم يقيمون العزاء لفقيدهم.
ولا يُترك الصلح لجلسة هادئة بين أسرتين. ففي نص عبد السميع: «ومثلما يحتاج الثأر إلى إعلان، كذلك التصالح يحتاج إلى مهرجان». وتُوزَّع بطاقات دعوة تشبه دعوات الزفاف، لا في القرية وحدها بل في القرى المجاورة، فيعرف الجميع أن الصفح قد وقع وأن الخصومة طُويت.
وفي التقرير نفسه صورة عن الغاية من هذه الخطوات. فمن مصطلحات الطقس «ردم بؤرة الدم»، أي إنهاء الخصومة، لأن «الثأر مثل الحفرة التي قد تتحول إلى قبر مع الوقت». ويؤكد ذلك أن الصلح لا يعالج حادثة واحدة فقط.
ما تقوله دراسة عن الصفح، وحدودها
هل يفيد الصفح من يمنحه؟ نشرت مجلة «Frontiers in Psychology» في 23 أكتوبر 2025 دراسة لباحثين من جامعة فرانثيسكو دي فيتوريا في مدريد، شملت 463 طالبًا جامعيًا إسبانيًا تتراوح أعمارهم بين 20 و24 عامًا، بينهم 306 طالبات. قاس الباحثون الميل إلى الصفح، ثم قسّموا المشاركين إلى ثلاث مجموعات: منخفضة (166 مشاركًا)، ومتوسطة (164)، ومرتفعة (133).
ظهرت فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعتين. فقد سجّل الأكثر ميلًا إلى الصفح غضبًا سريريًا واكتئابًا أقل من الأقل ميلًا إليه، وسجّلوا في المقابل أملًا وتقديرًا للذات أعلى. أما القلق والتوتر فاتجهت نتائجهما في المنحى نفسه من غير أن تبلغ الدلالة الإحصائية. وتراوح حجم الأثر بين 0.05 و0.07 في الاكتئاب والأمل وتقدير الذات.
استخدم الباحثون مقياس إنرايت للصفح (EFI-30) ومقياس الغضب السريري. وجاءت درجات العينة في الصفح أقل قليلًا من القيم المرجعية التي نشرتها دراسات التحقق من المقياس، وسجّل المشاركون مستويات متوسطة من القلق.
لكن الدراسة ترصد ارتباطًا ولا تثبت سببًا. ويقترح الباحثون تفسيرين متكاملين: قد يبدد الميل إلى الصفح الضغينة والاجترار، وقد يسهّل انخفاض القلق والاكتئاب بدوره الصفح. كما يذكرون أن العينة طلاب إسبان سجلوا مستويات منخفضة من الاكتئاب والقلق والغضب، ولذلك يجب الحذر في تعميم النتائج على فئات عمرية أو ثقافات أخرى. وأشاروا إلى أن مقياس الغضب لم تُقيَّم بنيته العاملية بالإسبانية، وإلى الحاجة إلى دراسات طولية.
ويرى المؤلفون أن النتائج تدعم فكرة أن الصفح يتصل بالرغبة في الدعم الاجتماعي وبالحفاظ على علاقات سليمة. وتجدر معرفة أن المؤلفين يعملون في كلية التربية وعلم النفس بجامعة فرانثيسكو دي فيتوريا ومعهد الصفح التابع لها، وأن الجامعة نفسها موّلت الدراسة. والدراسة لا تتناول الثأر ولا النزاعات الدموية. وهي تنبّه أيضًا إلى أن الصفح لا يعني التقليل من المشكلات أو تجاهلها، بل مقاربة نشطة لحل الخلاف.
قصة جيرة بين أقارب
بدأت القصة، بحسب «جماهير»، بخلافات جيرة بين أبناء عمومة، أي بين أناس تفصل بيوتهم أمتار قليلة وتجمعهم مناسبات العائلة. ومثل هذا الخلاف يعرفه كثيرون في القرى والأحياء، وإن لم ينتهِ في أغلبها بما انتهى إليه هنا.
ولا تقول التقارير شيئًا عن مشاعر أطراف الخلاف أنفسهم. فليس فيها كلمة منسوبة إلى أحد من الأسرتين، ولا شهادة من أشقاء المتوفى الأربعة. وكل ما يصل إلى القارئ هو الطقس: كفن، وسرادقان متجاوران، وعبارة «ولم شمل العائلة من جديد» في وصف «مصراوي» لهدف الخطوة. وجلسة واحدة في قرية واحدة لا تجيب عن سؤال أوسع: لماذا ينجح الصلح في مكان ويتعثر في آخر، وما الذي يحدد ذلك عند الأسر نفسها قبل تدخل الوسطاء.
رأيان في الطقس نفسه
لا يرى كل من تحدثوا عن العادة فيها حلًا مثاليًا.
قال الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة مصر اليابان، لجريدة «الوطن» في 19 فبراير 2024، إن تقديم الكفن عادة قديمة في بعض قرى الصعيد، وإنها بدأت تختفي من قرى كثيرة مع انتشار التعليم وتفعيل دور القانون، لا سيما بين الأجيال الجديدة. وأضاف: «في البعض من الأجيال القديمة للأسف لسه متمسك بفكرة الثأر».
ويعدد صادق أسباب انتشار العادة في العقود الماضية، وأهمها غياب التعليم والثقافة وانتشار العنف وعدم الرضوخ للقانون، ومعاملة الأمر على أنه خط فاصل بين ضياع هيبة العائلة وحفظها. ويصف صادق الأخذ بالثأر بأنه عادة خاطئة تهدد أمن المجتمع، ويدعو إلى استبدالها باحترام القانون واللجوء إلى القضاء. ويلفت إلى أن قبول الكفن ليس مضمونًا في كل مرة: «لو مقبلوش الكفن بيسيبوا القاتل يمشي، ولكن بيتم أخذ الثأر في وقت تاني».
وفي «رصيف22» تمييز آخر يتصل بمصير الصلح بعد الجلسة. فلقضاة الدم نوعان بحسب الكاتب فتحي عبد السميع: نوع يسعى إلى المصالحة دون أي تدخل من السلطة فتكون فعالة، ونوع يعتمد على السلطة ويخضع لضغطها، فقد يكون التصالح رمزيًا ولا يحدث على أرض الواقع. وتذكر التقارير عن برطباط حضور قيادات أمنية وتنسيقها مع لجنة المصالحات العرفية، ولا تحدد أيًّا من النوعين كانت الجلسة.
كما لم تنشر التقارير نص وثيقة الصلح. ويبقى بند المليوني جنيه على من يخالفه الضمانة الوحيدة المذكورة في هذه التقارير.
المصادر
- A path to better mental health among emerging adults: forgiveness as a solution to interpersonal conflicts، Frontiers in Psychology، 23 أكتوبر 2025
النسخة الصوتية من هذا المقال يقرؤها صوت اصطناعي مولَّد بالذكاء الاصطناعي.
شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.