Refletsأخبار · العطاء والمشاركة

نحو ثلاثة عقود خلف سماعة الهاتف: موظف كفيف في وزارة الصحة القطرية يروي عطاءه

في 8 أكتوبر 2026 أبرزت وزارة الصحة العامة القطرية قصة موظفها الكفيف مطر المنصوري، الذي بدأ عمله فيها يوم 13 نوفمبر 1994. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن 2,2 مليار شخص يعانون ضعف البصر.

Illustration: Reflets / Strugggl

نحو ثلاثة عقود قضاها مطر عبدالله المنصوري، وهو كفيف، في استقبال المراجعين والمكالمات داخل وزارة الصحة العامة القطرية في الدوحة. أبرزت الوزارة قصته يوم 8 أكتوبر 2026 بمناسبة اليوم العالمي للإبصار، وقالت إنه بدأ عمله فيها في 13 نوفمبر 1994.

من الاستعلامات إلى خدمة العملاء

بحسب ما نشرته صحيفة الشرق القطرية في 8 أكتوبر 2026، جاء المنصوري إلى الوزارة بعد أن رُشّح للعمل فيها. وهو يقول إن الوزارة كانت تملك آنذاك تجربة سابقة في توظيف المكفوفين ودمجهم في بيئة العمل.

بدأ موظف استعلامات في إدارة القومسيون الطبي، وبقي فيها حتى عام 2017. ثم انتقل إلى مقر الوزارة، حيث يستقبل المكالمات الواردة من داخل الوزارة وخارجها ويحوّل المتصلين إلى الجهات المختصة. ويعمل اليوم في إدارة العلاقات العامة. محطة بعد محطة.

ثلاث محطات في مسيرة واحدة: من شباك استعلامات في إدارة طبية متخصصة، إلى مقر الوزارة، ثم إلى قسم يتحدث باسمها إلى الناس.

الهاتف الذي يرنّ على مكتب حكومي ليس مشهدًا يُحتفى به عادة، غير أن من يجيب عنه كل صباح يقرر في دقيقة واحدة هل يصل المتصل إلى من يساعده أم يدور في الخط. هنا يظهر معنى الخدمة التي تتكرر ولا يراها أحد. خدمة صغيرة.

وصفت الوزارة المسيرة في منشور على حسابها في منصة إكس بأنها عنوانها «الالتزام والعطاء وخدمة الناس». والرواية كلها صادرة عن الوزارة نفسها وعن موظفها، ولا يرد فيها تقييم مستقل لأدائه أو لظروف عمله.

ما يقوله المنصوري عن عمله

يرى المنصوري أن خدمة العملاء هي «واجهة للوزارة»، لأنها الصلة المباشرة بالجمهور: تساعد الناس وتوجههم إلى الخدمات والجهات المعنية. وحين يتصل مريض أو ذووه بوزارة الصحة، فإن أول صوت يسمعونه يحدد انطباعهم عن المؤسسة كلها، وهذا ما تقوله العبارة من غير أن تشرحه.

وعن السنوات الطويلة يقول، بحسب الشرق: «وزارة الصحة من أول ما توظفت إلى الآن، خلال ثلاثين سنة، هي بالنسبة لي داعم أساسي». ويضيف أن وجوده في بيئة العمل واتصاله اليومي بزملائه وبالجمهور يمثلان له إنجازًا بحد ذاته، وفرصة مستمرة للتعلم وتبادل الخبرات.

العبارة تستحق التوقف عندها. ففي العادة يُروى العطاء من جهة من يعطي، ويروي المنصوري هنا الوجه الآخر: ما أخذه من مكان العمل نفسه من دعم. العطاء في قصته يسير في اتجاهين، موظف يخدم الناس ووزارة تُبقي له مكانًا يخدمهم منه، وكل طرف يدفع كلفة ويحصل على أثر.

الكلفة والأثر موزعان بين الأطراف. الموظف يقدم ساعات عمل يومية على مدى نحو ثلاثة عقود، والوزارة تقدم مكانًا في إدارتها ودعمًا يصفه الموظف بالأساسي، والمراجع يجد من يوجهه إلى الجهة المختصة. لا تذكر المصادر قيمة مالية لأي من ذلك.

ما تقوله أرقام منظمة الصحة العالمية

تضع منظمة الصحة العالمية الحالة في سياق أوسع. فبحسب صحيفة الوقائع التي حدّثتها في 10 فبراير 2026، يعاني ما لا يقل عن 2,2 مليار شخص في العالم ضعف البصر من مسافة قريبة أو بعيدة. ومن هؤلاء مليار شخص على الأقل أصيبوا بحالات كان يمكن الوقاية منها أو لم تُعالج بعد.

تذكر المنظمة أن إعتام عدسة العين يصيب 94 مليون شخص من هذه الفئة، والخطأ الانكساري 88,4 مليون. وتضيف أن البالغين المصابين بضعف البصر قد تنخفض معدلات العمالة في أوساطهم وترتفع معدلات الاكتئاب والقلق لديهم.

وتتفاوت الصورة بحسب الدخل تفاوتًا كبيرًا. فتقدّر المنظمة أن معدل انتشار ضعف البصر من مسافة بعيدة في الأقاليم المنخفضة والمتوسطة الدخل أعلى بأربعة أمثال منه في الأقاليم المرتفعة الدخل. وتفيد بأن شخصين من كل ثلاثة أشخاص في البلدان المنخفضة الدخل تلزمهم نظارات طبية ولا تتاح لهم، وأن شخصًا واحدًا من كل شخصين في العالم تلزمه جراحة إعتام عدسة العين ولا تتاح له. ويضيف النص أن معظم المصابين بضعف الرؤية والعمى تزيد أعمارهم على 50 عامًا، وأن النمو السكاني والشيخوخة يرفعان عدد المعرّضين للإصابة. ومن الحلول التي تعدّها المنظمة فعّالة إعادة تأهيل البصر، وهي تمكّن من لا يُرجى شفاء بصرهم من تعظيم قدراتهم الوظيفية والمشاركة الكاملة في المجتمع.

الرقم الاقتصادي أكثر لفتًا. تقدّر المنظمة خسائر الإنتاجية العالمية السنوية الناجمة عن ضعف البصر بنحو 411 مليار دولار أمريكي، بينما تقدّر الفجوة في التكاليف اللازمة لتلبية الاحتياجات غير الملباة من علاج ضعف البصر بنحو 25 مليار دولار. الفارق كبير. بل شاسع. وتذكر المنظمة أن الكلفة لا تقف عند المال، فضعف البصر عند كبار السن قد يسهم في العزلة الاجتماعية وصعوبة المشي وارتفاع خطر السقوط والإصابة بالكسور.

هذه أرقام عالمية لا تخص قطر وحدها، ولا تقيس حالة المنصوري. غير أنها تبيّن لماذا يتجاوز دمج المكفوفين في العمل قصة موظف واحد: المنظمة نفسها تربط ضعف البصر بانخفاض العمالة وارتفاع الاكتئاب والقلق، وتصف الأثر المالي بأنه عبء هائل. وهي تعرض هذا الارتباط من غير أن تقول إن الوظيفة وحدها تحمي من الاكتئاب، فالمصدر لا يثبت ذلك.

القانون ومسافة التطبيق

يستند حق العمل لذوي الإعاقة في قطر إلى القانون رقم 2 لسنة 2004. وبحسب تحقيق نشرته الشرق في 5 فبراير 2018، يقر القانون لهم بالعمل المناسب لقدراتهم ومؤهلاتهم في القطاعين الحكومي والخاص، ويخصص لهم نسبة لا تقل عن 2% من درجات الوظائف في الجهات المختصة.

ويلزم القانون كل صاحب عمل في القطاع الخاص يستخدم خمسة وعشرين عاملًا فأكثر بتخصيص النسبة المنصوص عليها وبحد أدنى عامل واحد. وتصل غرامة المخالفة إلى 20 ألف ريال، وفق التحقيق نفسه. ولم تكتفِ الدولة بالقانون، إذ صادقت أيضًا على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي تهدف إلى حمايتهم من التمييز وإتاحة الوصول إلى المرافق والأماكن العامة.

وفي ذلك التحقيق قال الدكتور خالد النعيمي، رئيس الاتحاد العربي للمكفوفين، إن غالبية الوزارات والجهات لا تلتزم بالنسبة التي حددها القانون. وذكر أن بيئة العمل المناسبة غير متوفرة في أماكن كثيرة، وأن الجهات تعيّن أحيانًا من أجل التعيين نفسه لا من أجل الاستفادة من جهد الموظف. وأشار كذلك إلى أن بعض الموظفين من ذوي الإعاقة يتخلون عن حقوقهم إذا تعرضوا لمضايقة.

ونقل التحقيق في المقابل أن وزارة الداخلية وظّفت أكثر من 100 شخص من مختلف الإعاقات، وأنشأت عام 2013 قسمًا مخصصًا لكبار السن والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، يزور الموظفين في مواقع عملهم ويقدم لهم الدعم النفسي.

هذه الشهادات قديمة. عمرها ثماني سنوات.

ولم نعثر عند البحث في 14 أكتوبر 2026 على رقم قطري أحدث لنسبة التوظيف. لا يمكن إذن القول إن الصورة تغيرت أو بقيت كما هي، ولا أن قصة المنصوري تمثل القاعدة أو الاستثناء في هذا الميدان.

جناح في جزيرة جيوان وبرنامج يمتد إلى مارس 2027

في اليوم نفسه تقريبًا، افتتح مركز النور للمكفوفين، التابع للمؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، جناحًا توعويًا وتفاعليًا في جزيرة جيوان بالدوحة. وأفاد موقع حال الخليج بأن الجناح استقبل الزوار يومي الخميس والجمعة، 8 و9 أكتوبر 2026، من التاسعة صباحًا حتى العاشرة مساءً.

يقدم الجناح تجارب تعرّف الزوار بحياة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، ورسائل عن صحة العين والمحافظة على البصر، وعرضًا للأدوات التي يستخدمونها يوميًا. وهو جزء من مبادرة «نورهم بينّا» التي ينفذها المركز بالشراكة مع المؤسسة القطرية للإعلام.

قال المدير التنفيذي للمركز، مشعل بن عبدالله النعيمي، إن العصا البيضاء مرتبطة باستقلالية الشخص وقدرته على الوصول إلى المرافق والخدمات بثقة وأمان. وأضاف أن ذلك يتطلب بيئة مهيأة وممارسات مؤسسية تراعي إمكانية الوصول. فالمنصوري، في هذا المعنى، حالة تتحقق فيها الشروط التي يطلبها المركز.

وجاء الافتتاح بمناسبتين متجاورتين: اليوم العالمي للإبصار، واليوم العالمي للعصا البيضاء. وقال النعيمي إن الأولى تذكّر بأهمية صحة البصر والوقاية والكشف المبكر، وإن الثانية تؤكد حق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في الاستقلالية والتنقل والمشاركة الكاملة في المجتمع. أي أن الفعالية تجمع الوقاية التي تقلل عدد من يفقدون البصر، والدمج الذي ينفع من فقدوه فعلًا.

تستمر المبادرة حتى مارس 2027، وتشمل سلسلة من الفعاليات والبرامج والمشاركات المجتمعية والإعلامية، بحسب الموقع. وهذا هو التاريخ الوحيد الذي تذكره المصادر لخطوة قادمة.

المصادر

النسخة الصوتية من هذا المقال يقرؤها صوت اصطناعي مولَّد بالذكاء الاصطناعي.

شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.