Refletsأخبار · الحماس والفضول

بعد 118 دولة، رحالة جزائري يدخل أفغانستان فيجد غير ما حملته الأخبار

نشرت الجزيرة نت في أكتوبر 2026 حديث الأكاديمي الجزائري محمد ميمون عن أفغانستان، محطته الـ119 بعد 118 دولة. وتنصح وزارة الخارجية البريطانية مواطنيها بعدم السفر إلى هناك إطلاقًا.

Illustration: Reflets / Strugggl

وصل الأكاديمي الجزائري محمد ميمون إلى كابل في سبتمبر 2026 وهو يحمل صورة صنعتها الأخبار، ثم قال إن ما رآه هناك اختلف عنها في جوانب كثيرة. كانت أفغانستان محطته الـ119 بعد 118 دولة، ونشرت الجزيرة نت حديثه عن الرحلة في أكتوبر 2026.

من كابل إلى بلخ

ميمون أستاذ جامعي ومدرّب في الإدارة والتخطيط الإستراتيجي، وتمتد مسيرته لأكثر من عقدين. عمل مديرًا تنفيذيًا للأكاديمية العربية العالمية للتدريب والتطوير في بيروت بين عامي 2009 و2017، بحسب الجزيرة نت. أراد أن يرى من زاوية أخرى بلدًا ظل حاضرًا في الأخبار لسنوات، وصورته عنه تشكلت من متابعة الأخبار والقراءة عن بلد ارتبط اسمه بالحرب والصراعات والأزمات.

لم تكن جولة سياحية عابرة. تنقل بين كابل وغزني ومزار الشريف وبلخ. زار الأسواق والحدائق والمواقع التاريخية، والتقى أكاديميين وطلابًا وإعلاميين وأشخاصًا من الحياة اليومية، واستقبله من التقاهم في أكثر من مناسبة بوصفه ضيفًا يريدون أن يطلعوه على بلادهم ويعرّفوه بها. ولم تكن الأماكن وحدها محور اهتمامه. كان يسأل عن تفاصيل الحياة اليومية، ويتحدث مع من يلقاهم في الطريق.

في كابل وجد إجراءات الوصول في المطار سريعة، ثم اتجه إلى بحيرة قرغه وحدائق بغمان، وتجول لاحقًا في منطقة مندوي. وفي حدائق بابر لفتته مساحة خضراء هادئة داخل مدينة ارتبط اسمها في ذاكرة كثيرين بالحرب والصراع. هناك بدأ، كما يروي، يقيس الفارق بين الصورة التي جاء بها وما تراه العين في الشارع، وهو قياس يعرفه كل من حمل إلى مدينة جديدة فكرة جاهزة ثم اضطر إلى تعديلها بنفسه.

ما نعرفه عن تفاصيل الرحلة يأتي من حديث ميمون نفسه إلى الجزيرة نت.

ما رآه خارج نشرات الأخبار

يرى ميمون أن الصورة التي تصل إلى كثير من العرب تركز على الحرب والانفجارات والسلاح والصراع، لكنها لا تكشف وحدها تفاصيل المجتمع وحياته اليومية. ويهم هذا القارئ في الخليج ومصر والمغرب، لأن الصورة التي ينتقدها هي الصورة التي يقول إنها تصل إلى كثير من العرب. وخلال رحلته رأى طلابًا وأكاديميين وتجارًا وعائلات، وأسواقًا وحدائق ومواقع تاريخية.

ولا يقدم تجربته في صورة مثالية.

لاحظ الفقر. ولاحظ محدودية بعض الخدمات وآثار عقود من الحرب، إلى جانب قيود اجتماعية قال إنه لمسها خلال جولته. لا ينفي شيئًا من ذلك. كل ما يراه أن فهم أفغانستان يحتاج إلى الاقتراب من المجتمع والاستماع إلى أهله بدل الاكتفاء بالصورة التي تصل من الخارج.

في غزني، الولاية التي عرفها من الكتب بوصفها إحدى المحطات المهمة في تاريخ المنطقة، أراد أن يرى آثار التاريخ على الأرض، وخرج بما يسميه «أفغانستان التاريخية». ويتقاطع انطباعه مع ما يقوله الباحث الأثري كتاب خان فيضي للجزيرة نت: ينبغي أن تسبق أعمال الترميم دراسات كاملة للموقع، وأن يُعرف تاريخه وخصائصه قبل البدء في إعادة بنائه. ويرى ميمون أن هذا الإرث يحتاج إلى مزيد من العناية والحماية، لأن المواقع التاريخية تحمل طبقات من تاريخ أفغانستان وذاكرتها الثقافية. ثم واصل إلى مزار الشريف وبلخ، وقال إنهما من أكثر محطات الرحلة تأثيرًا فيه، لأنه شعر هناك بأنه يقف عند صفحات حية من تاريخ المنطقة لا عند آثار منفصلة عن حاضرها.

وفي أحد اللقاءات فوجئ بأن طلابًا أفغانًا يدرسون «الآجرومية» في النحو، وهو متن وضعه العالم المغربي ابن آجروم الصنهاجي. بالنسبة إليه كان ذلك تفصيلًا كاشفًا عن روابط ثقافية تظهر في أماكن بعيدة عن موطنها الأصلي، ولعل القارئ في المغرب يتوقف عند هذا التفصيل أكثر من غيره.

ولم تكن الرحلة انتقالًا بين مدن أفغانية فحسب، بل فرصة لاكتشاف نقاط اتصال ثقافية وإنسانية بين الجزائر وأفغانستان. فلقاؤه بطلاب يدرسون اللغة العربية، وحديثه مع أكاديميين وطلاب، والاهتمام المشترك بالتاريخ والثقافة، جعلته يشعر بأن المسافة الجغرافية بين البلدين لا تعني غياب الروابط.

وفي كابل صرف 100 يورو (نحو 108 دولارات) إلى العملة الأفغانية. رفض أصدقاؤه أن يدفع تكاليف بعض ما يقدمونه له. يقول إن أكثر ما بقي معه من كابل كان الضيافة، وإن الأفغان تعاملوا معه في مناسبات كثيرة بوصفه ضيفًا يريدون أن يطلعوه على بلادهم.

وعلى المائدة وجد مدخلًا آخر إلى الثقافة المحلية. بقي قابلي بالاو في مقدمة ما علق بذاكرته، ثم الكباب والخبز الأفغاني، وفواكه منها العنب والرمان والشمام. أما الشاي الأفغاني فلم يلق منه الحماس نفسه، ولا يخفي ذلك. لكنه رأى في جلساته قيمة تتجاوز المشروب، لأنها تمنح الناس مساحة للحديث والتعارف، وحول الطعام دارت أحاديث عن الجزائر وأفغانستان والتاريخ والدراسة.

يلخص ميمون انطباعه في ثلاث كلمات: الجمال والحياة واليقين. الجمال عنده يظهر أيضًا في التفاصيل التي اكتشفها بالاحتكاك بالناس، والحياة في مجتمع يواصل يومه رغم آثار عقود من الاضطراب، واليقين فيما وجده من هوية وذاكرة وتقاليد راسخة.

تحذير رسمي يقابل الانطباع

في المقابل، تنصح وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية (FCDO) بعدم السفر إلى أفغانستان إطلاقًا، حتى ضمن مجموعة سياحية منظمة. وردت النصيحة في صفحة نصائح السفر المحدّثة في 30 يوليو 2026 والسارية في 12 أكتوبر 2026. الصفحة موجهة إلى المواطنين البريطانيين، لكن أسبابها تصف البلد نفسه. التحذير صريح.

تذكر الوزارة وضعًا أمنيًا متقلبًا، وتوترات مع باكستان أدت من قبل إلى اشتباكات في مناطق حدودية، وأن عددًا من المعابر الحدودية غير مفتوح حاليًا. وتحذر من خطر احتجاز المواطنين البريطانيين أو خطفهم. قدرتها على المساعدة محدودة للغاية، فلا توجد سفارة بريطانية في أفغانستان ولا تستطيع تقديم مساعدة قنصلية مباشرة. وتضيف أن التأمين على السفر قد يبطل إذا سافر المرء رغم نصيحتها.

لا يتناول نص الجزيرة نت هذا التحذير، ولا يذكر أي حادثة أمنية خلال الرحلة. رحلة سليمة واحدة لا تغير التقدير الذي تعلنه وزارة، والتقدير لا يلغي ما رآه ميمون في الأسواق والحدائق.

ماذا يغير لقاء عابر في الصورة؟

الفكرة قديمة في علم النفس الاجتماعي. ففي كتابه The Nature of Prejudice عام 1954 صاغ عالم النفس غوردون ألبورت فرضية تقول إن التواصل المباشر بين الجماعات يخفف التحيز في ظروف مناسبة. وحدد أربعة شروط: مكانة متكافئة بين الطرفين، وأهداف مشتركة، وتعاون بينهما، ودعم من السلطات أو القانون أو العرف للقاء.

وبحسب مدخل Contact hypothesis في ويكيبيديا، وجد التحليل التجميعي الذي نشره الباحثان بتيغرو وتروب عام 2006 في مجلة Journal of Personality and Social Psychology، وشمل 515 دراسة، دعمًا عامًا للفرضية. فالاتصال المباشر بين أفراد الجماعات قلل التحيز بدرجة ملحوظة، وكلما زاد الاتصال قل التحيز الذي يعلنه المشاركون، وكان الأثر أكبر حين رُتب اللقاء وفق شروط ألبورت. لم نستطع فتح نص دراسة بتيغرو وتروب نفسه. نكتفي بما يلخصه المدخل.

ويذكر المدخل نفسه قيودًا. الأثر يتفاوت كثيرًا من سياق إلى آخر، واللقاء العابر أو السطحي يعيد الناس، بحسب ألبورت، إلى القوالب الجاهزة. ولا بد أن يطول اللقاء حتى يخف القلق بين الطرفين، وأن يكون اللقاء إيجابيًا. أما الآليات التي تفسر الأثر فتختلف في قوة الدليل: لقي القلق بين الجماعات والتعاطف مع الجماعة الأخرى دعمًا تجريبيًا واسعًا، بينما لقي دور معرفة المرء بتلك الجماعة دعمًا ضعيفًا فقط، بحسب المدخل. وهذا يشير إلى أن الطمأنينة والتعاطف أثقل وزنًا من المعلومات وحدها، وإن بقي ذلك ملخصًا لا حكمًا نهائيًا.

وهنا حد الحالة التي بين أيدينا. ميمون ضيف. ولقاءاته مع الأفغان لقاءات ضيف بمضيفين، وهي أقرب إلى الاتصال المباشر منها إلى التعاون على هدف مشترك. وهو يقول إنه يريد العودة لمواصلة التعرف إلى المجتمع والناس الذين التقاهم، وهذا يقترب من ملاحظة المدخل عن حاجة اللقاء إلى زمن.

محطات لم تأت بعد

يقول ميمون إن الرحلة جعلته أكثر اهتمامًا بالعودة إلى أفغانستان، لا لزيارة أماكن جديدة فحسب، بل لمواصلة التعرف إلى الناس الذين التقاهم. ويريد أن يصل في رحلات مقبلة إلى هرات وقندهار وجلال آباد. ولا يذكر النص موعدًا لها.

ويقول إنه ذهب إلى أفغانستان لاكتشاف بلد، وعاد وهو يشعر بأنه اكتشف، قبل كل شيء، أناسًا وقصصًا وذاكرة إنسانية.

المصادر

النسخة الصوتية من هذا المقال يقرؤها صوت اصطناعي مولَّد بالذكاء الاصطناعي.

شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.