كارل بوشبي يعانق والدته في هال بعد 28 عامًا من المشي، وكان يتوقع 12
وصل المغامر البريطاني كارل بوشبي، وعمره 57 عامًا، إلى بيت والدته في مدينة هال يوم 2 نوفمبر 2026 بعد نحو 31,000 ميل مشيًا عبر أربع قارات. قدّر الرحلة أولًا بخمس سنوات.

عانق كارل بوشبي والدته أنجيلا وهي تبكي عند باب بيتها في مدينة هال شمال إنجلترا، يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026، فأنهى مشيًا حول العالم بدأه قبل 28 عامًا. قطع المغامر البريطاني، وهو جندي مظلات سابق عمره 57 عامًا، نحو 31,000 ميل (50 ألف كيلومتر) عبر أربع قارات و30 دولة، بعدما تعهد ألا يستخدم أي وسيلة نقل تتقدم به على الطريق.
خط على الخريطة وبطاقة من الأب
بدأت الفكرة ببطاقة عيد ميلاد أرسلها والده كيث، وهو جندي سابق في الجيش، في منتصف التسعينيات. ذكر فيها جدالًا بين جنديين من القوات الخاصة حول إمكان السير من لندن إلى نيويورك عبر الجسر البري القديم في مضيق بيرينغ، الذي يرى بعض العلماء أن البشر الأوائل عبروه من آسيا إلى الأمريكتين.
رسم بوشبي خطًا متصلًا على الخريطة عبر أوروبا وآسيا إلى أمريكا الشمالية، ثم لم يتوقف عند نيويورك، بل واصل الخط جنوبًا إلى طرف تشيلي. وقال بحسب «يورونيوز»: «With that under my skin, there was no going back» (وبعد أن استقرت الفكرة في داخلي لم يعد هناك رجوع).
انطلق من بونتا أريناس في تشيلي يوم 1 نوفمبر 1998، وكان في التاسعة والعشرين. وضع لنفسه قاعدتين: لا نقل يتقدم به، ولا عودة إلى بريطانيا قبل أن يكمل الرحلة مشيًا.
خمس سنوات، ثم اثنا عشر، ثم ثمانية وعشرون
قدّر في البداية أن المسافة تُقطع في نحو خمس سنوات، ثم أدرك أن ذلك غير واقعي. تقدير متفائل، بالتعبير الهادئ. وقال لوكالة «أسوشييتد برس» إنهم توقعوا 12 عامًا أو أكثر، وإن «And the plus was a big plus» (والزائد كان زائدًا كبيرًا). ثم أضاف: «But never in our wildest dreams would we ever have imagined 28 years» (لكننا لم نتخيل قط أن تستغرق 28 عامًا).
ما أطال الطريق لم يكن الجغرافيا وحدها، فقد جاءت العقبات من الاقتصاد والصحة العامة والأوراق الرسمية، وكل واحدة منها كانت تكفي لتغيير حسابات أي رحلة أخرى. أزمة 2008 المالية سحبت من تحت قدميه رعاة كانوا يموّلونه، وجائحة كورونا عام 2020 أوقفته سنوات، وتعقيدات الحدود والتأشيرات قطعت مسيره مرارًا. وفي أوروبا فرض حد الزيارة بتسعين يومًا أن يسافر على دفعات من ثلاثة أشهر. وكان يعود بعد كل انتكاسة إلى الولايات المتحدة أو المكسيك، حيث المعيشة أرخص، وينتظر فرصة ليرجع إلى النقطة التي توقف عندها، بحسب «يورونيوز».
أرقام الطريق كما أحصتها وكالة الأنباء الفرنسية
تحصي الوكالة نحو 75 مليون خطوة في 10229 يومًا. وتقول إن الـ50 ألف كيلومتر تعادل 10 آلاف سباق جري على الطرق، طول كل منها خمسة كيلومترات. ولو وُجدت عدّادات الخطوات حين انطلق، فمن المرجح، بتعبير الوكالة، أنها لم تكن لتجاري حصيلته.
أبلى بوشبي 10 أزواج من الأحذية في الأمريكتين قبل أن يتوقف عن العدّ. كان ذلك قبل 20 عامًا. أما الماء فلم يكن استثناءً من قاعدته: في عام 2006 قطع مع المغامر الأمريكي ديمتري كيفر مسافة 56 ميلًا في مضيق بيرينغ، وأُجليا جوًا إلى بر الأمان في أثناء العبور، ثم عادا فأكملاه. وحين انسد الطريق البري في آسيا، سبح عبر بحر قزوين 31 يومًا بأسلوب يسميه «فلوتيمينغ»، وهو مزيج من الطفو والسباحة، مرتديًا سترة طفو وبدلة غوص. وقال إنه ليس سباحًا جيدًا. ومع ذلك سبح. ثم عبر القنال الإنجليزي سباحة في أكتوبر 2026 ليصل إلى بريطانيا.
غرباء، وأم احتفظت بالقصاصات
لا يروي بوشبي رحلته كقصة رجل وحيد. قال لـ«أسوشييتد برس»: «They say it takes a village but literally it took a world to get me here» (يقولون إن الأمر يحتاج قرية، لكنه احتاج عالمًا بأكمله ليوصلني إلى هنا). ووصف من استقبلوه: «I've been welcomed in by the poorest of the poor» (استقبلني أفقر الفقراء). وتذكر «يورونيوز» أن عائلة طبيب في بيرو مرّضته من التهاب معوي حاد، وأن وجبات كثيرة لم تزد على الأرز والماء قُدمت له دون مقابل.
وفي تشيلي صارت إحدى الأسر بمنزلة عائلة ثانية، كما روى لهيئة «بي بي سي» على طريق في بلجيكا. وبينما كان يمشي، احتفظت أنجيلا بقصاصات الأخبار التي تتبعت بها رحلته، بحسب موقع «خبرني». ولم ترَه إلا مرات قليلة في تلك السنوات. وكانت قد مضت نحو عشر سنوات على آخر لقاء بينهما.
كان قد صفق له الناس يوم الأحد وهو يعبر جسر هامبر قرب هال في ضباب كثيف، قبل أن يدخل المدينة في اليوم التالي. واستقبله في وسط هال حشد قد يبلغ ألف شخص بحسب «يورونيوز». وقالت رئيسة البلدية ماريا كوارد إن كثيرين شعروا بالإلهام من روحه وإصراره.
وصل متأخرًا، وقال ذلك مازحًا: «Sorry to keep you waiting» (آسف لأنني جعلتكم تنتظرون).
وفي دوفر، حيث نزل من البحر في أكتوبر، كان في انتظاره على الشاطئ والده وإخوته، بحسب «أسوشييتد برس». وتنقل «يورونيوز» أنه رحّب بالتراب البريطاني تحت قدميه بعد كل هذه السنين، وأن الرحلة «لم تكن سهلة». وتضيف أن شركة إنتاج أسسها كاتب مسلسل «بيت من ورق» بو ويليمون ومنتج الموسيقى جوردان تابيس تموّله منذ 16 عامًا، وأنها تدعم الفيلم الوثائقي الذي يعدّه هيرتسوغ.
ما بعد خط النهاية
سألته «بي بي سي» في بلجيكا عما يدفعه، فقال: «There is definitely this sense of wanting to prove myself» (ثمة بالتأكيد شعور برغبة في إثبات نفسي). ثم أضاف أنه يريد أن يفعل شيئًا لا يحلم به غيره. الدافع هنا كلام صاحبه عن نفسه، وليس قياسًا نفسيًا.
ثم يأتي السؤال الذي لا جواب جاهزًا له.
أما ما يلي الوصول فيتحدث عنه بقلق. قال لوكالة الأنباء الفرنسية في سبتمبر 2026 إنه يجب أن يحاول أن يستقر من جديد في «عالم الكبار». وقال لـ«أسوشييتد برس» في أيامه الأخيرة على الطريق إنه لا يعرف ما سيفعله، وإنه سيضطر إلى العيش في قبو بيت أمه، وشبّه الأمر بخطوة عبر «أفق الحدث» إلى ثقب أسود. وهو يتوقع أن يمر بما مرّ به مغامرون آخرون بعد الرحلات الطويلة من صعود وهبوط. وعلاجه: «just get another mission, another passion and get busy» (أن يجد مهمة أخرى وشغفًا آخر وينشغل).
للأبحاث ما تقوله في هذا، لكنه قليل. تصف ورقة نشرها أولريش ديتفايلر عام 2012 في مجلة «باثويز» الكندية للتعليم في الهواء الطلق أعراض تكيف يعانيها المدربون بعد انتهاء برامج الرحلات في البراري، وتقارنها بما يعانيه الطلاب، وتعرض تفسيرًا فلسفيًا مستندًا إلى تجربة المؤلف نفسه. الورقة في أربع صفحات، وتصنف في سجل «إيريك» مقالة رأي، فهي إشارة إلى ظاهرة لا قياس لحجمها. وبوشبي لا يشبه مدربًا أنهى دورة، فتجربته أطول بكثير.
الجدول الذي أعلنه لما بعد ذلك مزدحم: ست محاضرات في الشهرين المقبلين، وجزء ثانٍ من مذكراته «خطوات عملاقة»، وفيلم وثائقي يصنعه المخرج الألماني فيرنر هيرتسوغ بعنوان «Walk of Life».
مشي آخر، وسؤال آخر
لا تقيس الأبحاث الحديثة عن المشي رحلات من هذا النوع، بل مشي الناس العاديين. نشرت مجلة «جاما نتورك أوبن» دراسة، تناولها موقع «ميديكال إكسبرس» عن «هيلث داي» يوم 27 أكتوبر 2026، تتبعت 4,067 موظفًا حكوميًا بريطانيًا متوسط عمرهم نحو 69 عامًا. قيس مشي المشاركين مرتين: اختبار قصير في عيادة، ثم جهاز في المعصم سجّل خطواتهم في حياتهم اليومية خلال عامي 2012 و2013. وتابع الباحثون السجلات الصحية حتى أغسطس 2024، أي نحو 12 عامًا. ارتبطت سرعة المشي الأعلى بخطر وفاة أقل بنسبة 23%، وارتبط إيقاع الخطى الأسرع بخطر أقل بنسبة 17%، حتى بعد احتساب عدد الخطوات اليومية. قاد الدراسة رايان حداد من الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا في تروندهايم.
حدود الدراسة معلنة. معظم المشاركين رجال بيض من مجموعة اختيرت من الخدمة المدنية، وقد تختلف النتائج عند غيرهم، بحسب موقع «نولدج ساينس ريبورت». والدراسة لا تثبت أن رفع السرعة عمدًا يعطي الانخفاض نفسه في الخطر، لأن البطء قد يعكس مرضًا أو ألمًا أو ضعف توازن. وقال الطبيب ثيودور سترينج من مستشفى نورثويل في ستاتن آيلاند إن المشي الأسرع يوحي بأمراض مزمنة أقل أو بأمراض تُدار جيدًا.
بيان علمي آخر صدر هذا الخريف عن الكلية الأميركية لأمراض القلب يضع وصفة الحركة في صلب الرعاية. وكلاهما يتحدث عن خطوات تُحصى في أعمار طويلة وعلى أرصفة المدن، لا عن 75 مليون خطوة. ولا تقول هذه الدراسات شيئًا عن بوشبي نفسه.
المصادر
- Karl Bushby embraces emotional mom as he finishes 28-year, 31K-mile walk around world, ABC News (أسوشييتد برس)، 2 نوفمبر 2026
- The Journey Home: Psychological Adjustment Symptoms following Wilderness Expedition Programs, Pathways، سجل ERIC، 2012
شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.