Refletsأخبار · المودّة والزواج
مكالمة كان يضيق بها صارت ما يشتاق إليه: أيمن سلامة بعد أربعين يومًا من رحيل زوجته
نشرت الوطن والبلد يوم 17 أكتوبر 2026 رسالة السيناريست أيمن سلامة إلى زوجته الراحلة بعد ثلاثين عامًا معًا. يكتب أنه كان يضيق بملاحقتها الهاتفية، وأنه يتوق الآن إلى رؤية اسمها على شاشة هاتفه.

كتب السيناريست المصري أيمن سلامة رسالة إلى زوجته الراحلة بدأها بقوله: «أربعون يومًا مرت ولم استطع أن أرثيك». نشرت صحيفتا الوطن والبلد نصها يوم السبت 17 أكتوبر 2026، نقلًا عن حسابه على فيسبوك، في ذكرى الأربعين لوفاتها. عاش معها ثلاثين عامًا، وتوفيت في سبتمبر 2026.
كاتب يعترف بأن قلمه عجز
تصف صحيفة اليوم السابع أيمن سلامة بأنه من أبرز كتاب السيناريو في الدراما المصرية. لذلك يبدو اعترافه لافتًا، فهو يكتب أن «عجز قلمي عن نحت الألفاظ ونسج العبارات رغم أنها صناعتي». اطلعنا على الرسالة كما نقلتها الوطن والبلد، لا على صفحته نفسها، والصحيفتان تنقلان النص ذاته مع فروق إملائية صغيرة.
بعد هذا الاعتراف يمضي النص إلى البيت لا إلى البلاغة. يقول إن «مازال عقلي يرفض فكرة رحيلك»، ثم يعدّد ما جمعهما في ثلاثين عامًا تحت سقف واحد: «اتفقنا واختلفنا»، و«سافرنا وحلمنا»، و«تباعدنا واقتربنا»، و«تعاركنا وتصالحنا». ولا يرتب هذه الأزواج بحسب أي ترتيب زمني، فتتجاور الأسفار والخصومات والأحلام في سطر واحد، كأن الذاكرة لا تعرف تقسيمًا بين ما سرّ وما أحزن.
ويختم بالدعاء لها بالرحمة، كما تنقل الصحيفتان.
ما سبق الرسالة: نعي قصير في سبتمبر
في سبتمبر 2026 نشر أيمن سلامة نعيًا قصيرًا على مواقع التواصل، بحسب اليوم السابع. كتب فيه أن زوجته «وأم أولادي ورفيقة رحلتي لثلاثين عاما» توفيت، وسأل الله أن يمنحه وأولاده الصبر على فراقها. وتذكر الصحيفة أنها مرت بأزمة صحية قبل وفاتها وخضعت للرعاية الطبية، ولا تذكر تشخيصًا.
الفرق بين النصين في النبرة واضح. النعي سطور قليلة، رسمية الصياغة، يعلن الخبر ويحدد موعد العزاء. أما الرسالة التي نشرت بعد أربعين يومًا فطويلة، وتدخل المطبخ والسيارة والهاتف، ولا تعلن شيئًا. وتختلف الصحيفتان في ما تبرزانه منها: اختارت الوطن في عنوانها سؤال الكاتب «كيف أعيشها وحدي من بعدك؟»، واكتفت صدى البلد بوصفها «كلمات مؤثرة».
وتضيف الوطن في مقدمتها أن رحيلها ترك فراغًا كبيرًا في حياة الكاتب وحياة أبنائه، وهذه جملة الصحيفة لا جملة الرسالة.
وتقدم صدى البلد الرسالة على أنها موجهة أيضًا إلى المتابعين، فتكتب أن الكاتب طالبهم بالدعاء لزوجته بالرحمة. وهذا يضع النص بين حدين: رسالة خاصة بلغة رجل يخاطب زوجته بضمير المخاطبة، وإعلان عام على صفحة يتابعها الناس. ولا تقول الصحيفة أكثر من ذلك، فنص الرسالة هو ما يُقرأ، وما عداه تأويل.
مكالمة كان يضيق بها
أصغر تفصيل في الرسالة هو الأثقل، وهو الهاتف. يعترف الكاتب: «كنت أضيق بملاحقتك الهاتفية كلما غادرت البيت»، ويستعيد سؤالها الدائم عن مكانه وموعد عودته، ثم يضيف: «وها أنا أتوق الآن لرؤية أسمك على شاشة هاتفي». جملة واحدة، لا أكثر. غير أنها تحمل ما لا تحمله صفحات من الشرح: أن ما يزعجنا من أحبائنا قد يكون في الحقيقة أطول ما يربطنا بهم، وأننا لا نعرف ذلك إلا حين ينقطع.
في زمن تبيع فيه الإعلانات الحب بالهدية الكبرى والتاريخ المحفوظ في التقويم، يأتي هذا التفصيل من الجهة المقابلة: اهتمام صغير يتكرر كل يوم حتى يصير مألوفًا إلى حد الإزعاج، ثم يُفتقد. الكاتب لا يشرح ذلك ولا يستخلص منه عبرة، ويكتفي بأن يضع الجملتين متجاورتين.
وللمقعد نصيب مماثل. يكتب: «أنظر إلى مقعدك الخالي وأنا أقود السيارة وأتسأل: ألن تجلسي مرة أخرى بجواري؟». ويسأل أيضًا: «ألن نذهب سويًا لشراء احتياجات البيت؟»، و«ألن نخرج يوم الجمعة مرة أخرى كما أعتدنا؟». هذه كلها عادات مشتركة بلا مناسبة، وهي من النوع الذي تحاول بعض الدراسات قياسه عند الأزواج، ومنها دراسة أمريكية عن مشي الزوجين معًا نشرنا خبرها قبل أيام.
ولا شيء من هذه الأسئلة يحتاج إلى جواب.
وفي ترتيب العبارات ما يستحق التوقف. يعدّد الكاتب أربعة أزواج متقابلة: الاتفاق والاختلاف، والضحك والبكاء، والسفر والحلم، والتباعد والاقتراب. ثم يجمع بينها بقوله «هكذا الحياة»، ولا يرتب الذكريات من الأجمل إلى الأقل جمالًا، ولا يمنح الخلاف مرتبة أدنى من الوفاق. يبدو الزواج في هذا الجرد حياة كاملة مشتركة بتقلباتها، لا لوحة مصقولة، وهذا ما يجعل الجردَ أقرب إلى الصدق منه إلى المديح.
يصف الكاتب زوجته بأنها من «عاشت لبيتها وأولادها»، ويقول إن «طعم الأشياء قد تغير» وإنها تركت فيه «حزنًا لا يمحى بالزمن». الجملة الأخيرة حكم كاتبها على نفسه، ولا تقدم الصحيفتان ما يؤيدها أو ينقضها، وهذا حدّها: شهادة رجل في الأربعين الأولى، لا قياس لمسار الحزن في الأشهر التالية.
ما يقوله علم نفس الفقد عن الرابطة بعد الرحيل
الرسالة نص شخصي لا دراسة، ولا يصح تحويلها إلى حالة سريرية أو قراءتها على أنها دليل على شيء. غير أن لغتها تقترب من مفهوم معروف في أبحاث الحزن اسمه «الروابط المستمرة»، وتلخصه موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية في صفحة مخصصة له.
بحسب هذا الملخص، كانت نماذج الفقد الغربية في القرن العشرين متأثرة بفكرة فرويد عن «عمل الحزن»، ثم بنظرية التعلق عند جون بولبي، وكانت تعدّ التخلي عن المتوفى شرطًا للحداد السليم، وتنظر إلى استمرار التعلق به على أنه مشكلة أو مرض. في أوائل التسعينيات جمع دينيس كلاس وفيليس سيلفرمان وستيفن نيكمان دراسات وملاحظات سريرية في كتاب صدر عام 1996 بعنوان «Continuing Bonds: New Understandings of Grief». وخلص المساهمون فيه إلى أن المفجوعين لا يقطعون صلتهم بمن رحل كما كانت النظرية السائدة تفترض، وأن هذه الصلة قد تؤدي أدوارًا إيجابية في حياتهم اللاحقة.
والمفهوم محل جدل. ينقل الملخص عن ستروبه وزملائه (2012) أن كلاس وسيلفرمان ونيكمان اعتمدوا أساسًا على المناهج النوعية والحالات المفردة، دون دليل كمي واضح يربط الروابط المستمرة بتكيف أفضل مع الفقد. ويرد كلاس وسيلفرمان بأن المناهج الكمية لا تلتقط البعد الذاتي والعلاقي للحزن. وبحسب الملخص نفسه، يذكر كلاس في 2013 أن الباحثين بدأوا يتساءلون بعد ظهور النظرية عما إذا كان الإبقاء على الرابطة يجعل الحزن أخف فعلًا، وأن الإجابة صعبة.
يعدّد الملخص أشكالًا لهذه الروابط، منها الإبقاء على الصلة عبر الأشياء المادية والأماكن المرتبطة بمن رحل، والحوارات الداخلية معه، وتذكر الصفحة الرسائل المكتوبة بين ما اعتادته ثقافات مختلفة. وتضيف أن التأبين والرثاء يتيحان للحزن الفردي أن يلتقي بذاكرة جماعية عبر حكايات مشتركة واعتراف علني. وفي الرسالة منها المقعد والهاتف والجمعة، وفيها الشكل الأوضح: نص كتبه رجل لمن لا يقرأ، ونشره لمن يقرأ.
أما السؤال عن النفع فيبقى مفتوحًا. تنقل الصفحة أن مراجعات لاحقة خلصت إلى أنه لا يمكن الجزم بأن الإبقاء على الرابطة مفيد عمومًا، ولا بأن التخلي عنها كذلك، وأن النتيجة تتوقف على كيف ومتى ولمن تُعبَّر هذه الصلة. وانتقد المنظّران في نظرية التعلق شيفر وتانسردي (2001) أنصار المفهوم لأنهم افترضوا مسبقًا أن هذه الروابط نافعة.
لذلك لا تقول هذه الصفحة إن أيمن سلامة سيتجاوز حزنه أسرع أو أبطأ. وهي مصدر ثانوي، لا الكتاب الأصلي ولا الأبحاث التي يستند إليها، ويكفي هنا لتسمية الإطار الذي تُقرأ فيه رسالة كهذه: تعلق بني على مدى ثلاثين عامًا لا ينتهي بإعلان وفاة، وكاتب يصف ذلك بأشياء صغيرة قبل أن يصفه بالمعاني الكبيرة.
أربعون يومًا كأنها ساعة
ثمة مفارقة حسابية في النص لا يسمّيها صاحبه. أربعون يومًا يصفها بأنها مرت كساعة أو أقل، وثلاثون عامًا يرويها بأفعال ماضية قصيرة، كأنها تجتمع في سطر واحد. الزمن عند من يفقد شريك العمر لا يسير بسرعة واحدة، فالأسابيع تضيق والذكريات تتسع. ولا يلتقط عدّاد الأيام هذا التفاوت، وإن كان الأربعون هو الرقم الذي اختارته الصحيفتان عنوانًا للخبر.
قبل ختام رسالته يقول الكاتب إن الأيام الأربعين مرت «كأنهم ساعة أو أقل»، ويعتذر لأن قلمه لا يجد من الكلمات ما يعبر عن إحساس الفقد. لا تذكر الصحيفتان نية لنشر نص آخر أو موعدًا لشيء بعد هذه الرسالة.
يبقى في النص تفصيل لا تعلق عليه أي من الصحيفتين: هاتف يضيء باسم لن يظهر، ورجل يقود سيارته ويعرف أين يقع المقعد الفارغ.
الحب كما ترويه الرسالة عادة طويلة النفس، تتكوّن من أسئلة صغيرة لا يرد عليها أحد بحماس، ثم يتضح بعد ثلاثين عامًا كم كانت تثقل الميزان.
النسخة الصوتية من هذا المقال يقرؤها صوت اصطناعي مولَّد بالذكاء الاصطناعي.
شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.