Refletsأخبار · العطاء والمشاركة

لارا أكنين: العطاء ليس لعبة صفرية، في ورقة جمعت 13 باحثًا بخبرة 600 عام في علم السعادة

نشرت جامعة سايمون فريزر يوم 26 أكتوبر 2026 بيانًا عن ورقة جمعت تأملات 13 باحثًا في علم السعادة، تبلغ خبرتهم مجتمعة 600 عام. تضع الورقة العلاقات في المقدمة، وتذكر التطوع والإصغاء بين عادات الباحثين أنفسهم.

لارا أكنين: العطاء ليس لعبة صفرية، في ورقة جمعت 13 باحثًا بخبرة 600 عام في علم السعادة
Illustration: Reflets / Strugggl

تقول لارا أكنين، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة سايمون فريزر الكندية، إنها لو اضطرت إلى اختيار سر واحد للسعادة فقد يكون العلاقات مع الآخرين. وجاء كلامها في بيان للجامعة نشره موقع phys.org يوم 26 أكتوبر 2026 عن ورقة في دورية Journal of Happiness Studies تجمع تأملات 13 من رواد علم الرفاه، تبلغ خبرتهم البحثية مجتمعة 600 عام.

مكالمة واحدة جمعت ثلاثة عشر باحثًا

شاركت أكنين في وقت سابق من هذا العام في مكالمة عبر زوم مع 12 باحثًا دوليًا آخرين من قادة علم الرفاه. وكان جدول الأعمال سؤالين: ماذا تكشف أبحاثهم المتراكمة وتجاربهم الشخصية عن الحياة الجيدة، وإلى أين يتجه الحقل الذي ساهموا في تأسيسه. ودوّنت الورقة تلك التأملات، ونشرتها الدورية في أغسطس 2026 بتوقيع أكنين وسادي ستينلوند من جامعة هارفارد وكيلسي أوكونور، وهو باحث أول في المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في لوكسمبورغ. ويذكر البيان أن المؤلفين لا يعلنون أي تضارب في المصالح.

لم نتمكن من فتح نص الورقة نفسه في الدورية، والتفاصيل هنا من بيان الجامعة ومن تغطية Newsweek.

ولا يعرض البيان عينة ولا تجربة جديدة، وإنما تأملات خبراء في ما رأوه وعاشوه. وهذا يجعل الورقة شهادة من داخل الحقل أكثر منها اختبارًا لفرضية.

العلاقات قبل أي بند آخر

تبدأ الورقة من سؤال بسيط في ظاهره: ما الذي يجعل الحياة جيدة كما يراه من درسوا السعادة عقودًا؟ ويقول البيان إن علم الرفاه كان في سبعينيات القرن الماضي حلمًا في أعين روّاده، وإن تلك الأعين اليوم ترى حقلًا تشظّى بين اتجاهات عدة. وتقول أكنين إن الباحثين اتفقوا مع ذلك على هدف واحد: أن يكون العمل قابلًا للتطبيق العملي، ومختبَرًا بدقة، ومفيدًا في تحسين حياة الناس.

تصف أكنين وجود العلاقات بأنه من أكثر ما يتنبأ بالسعادة ثباتًا في مجموعة أدلة واسعة تمتد عبر العلوم الاجتماعية. وتقول: “We know that having just one person you can count on is extremely consequential.” (نعرف أن وجود شخص واحد يمكنك الاعتماد عليه أمر بالغ الأثر). وتضيف أن كثرة العلاقات والجماعات التي يشعر المرء بالانتماء إليها تضاعف هذا الإحساس بالرفاه.

ويلخص البيان خمس خلاصات. الأولى أن العلاقات تفوق في أثرها أغلب ما عداها، وقد قال عدد من الباحثين في المكالمة إنهم صاروا يقضون وقتًا أطول مع الأقربين بعد أن رأوا الأدلة في أبحاثهم هم. والثانية أن الدخل المريح والأمان المالي أساسان مهمان، لكن الدخل الإضافي بعد سد الحاجات الأساسية يقل أثره في السعادة. والثالثة أن العمل والأنشطة التي يراها المرء ذات قيمة وتتسق مع مبادئه تسهم كثيرًا في سعادته.

والرابعة أن السعادة تنمو بعادات مقصودة. والخامسة أن السعادة لا تعني الشعور بالرضا طوال الوقت.

وتنقل أكنين عن بعض النماذج الرائدة في الحقل أن نحو 10 في المئة من سعادة الفرد تعود إلى ظروف حياته، مثل مكان إقامته وعمره ووضعه الوظيفي وحالته الاجتماعية، وأن ما يصل إلى 40 في المئة يرتبط بكيفية قضائه وقته. وتقول إن هذا يترك مجالًا واسعًا لمن يميلون بطبعهم إلى التشاؤم كي يجربوا ممارسات مدعومة بالبحث، كالتأمل أو الامتنان. والرقمان تقديران من نماذج، لا قياسًا أجرته هذه الورقة.

وفي تغطية Newsweek، استشهد اللورد ريتشارد لايارد، المدير المشارك لبرنامج الرفاه في كلية لندن للاقتصاد، بأرسطو: “Humans are social animals”. (الإنسان كائن اجتماعي). وقال أيضًا: “Loneliness is one of the main sicknesses of our age”. (الوحدة من أشد أمراض عصرنا). خلاصة يعرفها كل من جلس في مجلس عائلة، لكنها هنا تأتي من أناس قضوا عقودًا في قياسها.

وتضيف غيل كينمان، أستاذة علم النفس الصحي المهني في كلية بيربيك بجامعة لندن، أن الصلات الاجتماعية توفر دعمًا عاطفيًا وعمليًا وتعزز الشعور بالانتماء وتحمي من آثار الضغوط. وتقول إن الأبحاث تشير إلى ارتباط بين العلاقات الداعمة وطول العمر، وهو ارتباط لا سببية مثبتة فيه.

التطوع والإصغاء بين عادات الباحثين

يقول البيان إن عددًا من الباحثين طبّقوا نتائج علم السعادة على حياتهم: التعبير عن الامتنان، والاستمتاع بالتجارب الإيجابية، والاستثمار في العلاقات، والإصغاء الأعمق، والتطوع، والمشاركة الاجتماعية الأكثر. العطاء إذن لا يظهر في الورقة بند فصل مستقل، بل عادة بين عادات.

لكن أكنين تذهب أبعد من القائمة. فهي تقول إن السعادة نفسها تتنبأ بنتائج قيّمة، منها الدافع إلى مساعدة الآخرين. وتشرح أن الناس إذا شعروا بأنهم بخير امتلكوا القدرة والدافع للانخراط في شؤون العالم، والعناية بمن يحبونهم وبمجتمعاتهم. وتقول إن من يستثمر في غيره يجد أن الآخرين ينقلون ذلك ثم يردونه إليه.

ثم تختم بعبارة تصلح عنوانًا: “Generosity is not zero-sum.” (الكرم ليس لعبة صفرية، أي إن ما يُعطى لا يُخصم بالضرورة من رصيد المعطي).

ويعرض البيان هذه العبارة رأيًا لباحثة، لا نتيجة مقاسة، ولا يورد أرقامًا تدعمها. وتقول أكنين نفسها إنها تخشى أحيانًا أن يبدو السعي إلى السعادة أمرًا تافهًا وسط وقائع ضخمة ومهددة في العالم، ثم تستدرك أن السعادة تتنبأ بدافع المساعدة، وهذا ما يبقيها ملتزمة بدراستها.

وصحيفة صدى، التي نشرت خلاصة الورقة بالعربية يوم 31 أكتوبر 2026 نقلًا عن موقع SciTech Daily، تضع الفكرة نفسها بصيغة أخف: الشعور بالرضا والدعم النفسي قد يرتبط بزيادة الاستعداد لمساعدة الآخرين والمشاركة في الحياة الاجتماعية. والاتجاه هنا من السعادة إلى العطاء، وهو غير اتجاه الدراسات التي تسأل هل يرفع العطاء السعادة. وتناول موجز سابق ارتباط ساعات دعم الآخرين بدماغ يبدو أصغر من العمر الفعلي، مع تأكيد الباحثين أنها علاقة ارتباط لا تثبت السبب.

ما يضيفه تقرير السعادة العالمي عن الكرم

تشارك أكنين في تحرير تقرير السعادة العالمي السنوي، وهو ما يضع الورقة في سياق أوسع. وكان تقرير 2025 قد خصص محوره للعناية والمشاركة، ووصف العناية بأنها نعمة مضاعفة، تصيب من يعطي ومن يتلقى.

ويعرض ملخص التقرير أن استطلاع غالوب العالمي يسأل الناس إن كانوا في الشهر الماضي تبرعوا بمال أو تطوعوا أو ساعدوا غريبًا. ويذكر أن الناس متشائمون أكثر مما ينبغي بشأن كرم غيرهم، وأن نسبة المحافظ الضائعة التي أعادها المارة في تجارب ميدانية كانت أعلى مما توقعه الناس. ويضيف أن الأفعال الخيّرة في 2024 ظلت أكثر تكرارًا بنحو 10 في المئة مما كانت عليه في 2017 إلى 2019، رغم تراجع بين 2023 و2024.

وتوضح خلاصة التقرير شرطًا يهم من يعطي: تنفع العناية من يقدمها أكثر حين يكون دافعه مساعدة الآخرين لا الشعور بالرضا عن نفسه، وحين يكون الفعل طوعيًا، وحين يرى أثرًا واضحًا في المستفيد. أي إن العطاء الذي يبحث عن تصفيق قد يفقد ما كان يُرجى منه.

وفي فصل مشاركة الوجبات، يجد التقرير أن من يأكلون مع غيرهم كثيرًا أسعد، وأن هذا الأثر يصمد بعد ضبط حجم الأسرة. وفي الولايات المتحدة يقول التقرير إن تزايد الأكل منفردًا أحد أسباب تراجع الرفاه. ويقول جان إيمانويل دي نيف، مدير مركز أبحاث الرفاه في جامعة أكسفورد وأحد محرري التقرير، لـ Newsweek إن حتى أبسط الصلات، مثل “the mundane act of sharing a meal”، (فعل مشاركة وجبة العادي) يترك أثرًا قابلًا للقياس في الرفاه. ولم يشارك دي نيف في كتابة الورقة.

ويستحق التمويل ذكرًا هنا. يذكر الملخص أن محرري التقرير ومؤلفيه متطوعون، وأن التكاليف الإدارية والبحثية يموّلها شركاء، منهم Glico وAjinomoto وillycaffè إلى جانب مؤسسات أخرى. وليس في المصدرين ما يربط استنتاجًا بعينه بهذا التمويل، لكن ذكره واجب في فصل يعدّ الوجبات المشتركة من أسباب السعادة.

وعن الشباب يورد الملخص أن 19 في المئة من الشباب البالغين في العالم قالوا في 2023 إنه لا أحد يمكنهم الاعتماد عليه للدعم الاجتماعي، بزيادة 39 في المئة عن 2006. وبعد تدخل قوي، صار طلاب جامعة ستانفورد أسعد حين أطلعوا على أدلة عن كرم أقرانهم، وفق الملخص. وتناول موجز سابق دراسة في Nature Human Behaviour عن مبالغة المعطي والأناني في تقدير أثر اختيارهما.

ما يمكن أخذه من الورقة

لا يتضمن بيان الجامعة أرقامًا عن بلد عربي، ولا يقول إن نتائجه تنطبق على الأسرة الممتدة أو الجيرة أو العمل الأهلي في الخليج ومصر والمغرب. ما يقدمه هو ترتيب أولويات يصدر عن باحثين حاولوا العمل به في حياتهم: وقت أطول مع الأقربين، وإصغاء أعمق، وتطوع، وامتنان.

ويبقى التحفظ الأهم أن المصدر الأول بيان صادر عن الجامعة التي تعمل فيها إحدى المؤلفات، وأن الورقة تأملية. أما العلاقة بين العطاء والسعادة فيدعمها تقرير السعادة العالمي ببيانات استطلاعية، وهو يقر في فصله عن الوجبات المشتركة بأن فهم الديناميات السببية بين مشاركة الوجبات والرفاه الذاتي والصلات الاجتماعية لا يزال به فجوات واسعة.

المصادر

التعرّف على امرأة كريمة

شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.