Refletsأخبار · العطاء والمشاركة

كيلومتر من شاطئ السيب و77 موظفًا من مؤسسة الزبير: تطوع الشركات بين الأثر والولاء

نظمت مؤسسة الزبير يوم 18 أكتوبر 2026 حملة لتنظيف نحو كيلومتر من شاطئ السيب بمشاركة 77 موظفًا. وفي تجربة ميدانية على 221 موظفًا جديدًا، خفّض يوم تطوع واحد الاستقالات إلى النصف بعد عام.

كيلومتر من شاطئ السيب و77 موظفًا من مؤسسة الزبير: تطوع الشركات بين الأثر والولاء
Illustration: Reflets / Strugggl

نظمت مؤسسة الزبير في سلطنة عُمان حملة تطوعية لتنظيف شاطئ السيب شارك فيها 77 موظفًا، بحسب خبر نشرته جريدة الرؤية العمانية يوم 18 أكتوبر 2026. غطّت الحملة نحو كيلومتر من الشاطئ، وجاءت بالتزامن مع اليوم العربي للبيئة.

ما جرى على الشاطئ

جاء الموظفون من المؤسسة ومن الشركات التابعة لها، وجمعوا المخلفات المتناثرة على امتداد المسافة المحددة. تقول المؤسسة إن الهدف الحد من المخلفات التي قد تصل إلى البحر وتؤثر في الكائنات البحرية وموائلها، وتحسين نظافة مكان يرتاده الناس. وتضيف أن الحملة فرصة لتعزيز التعاون بين موظفيها وشركاتها، وأنها تربط الاستدامة بسلوك يومي ملموس.

نقلت الجريدة عن علي شاكر، رئيس قسم الاستدامة في المؤسسة، قوله: «ونؤمن بأن قيمة هذه المبادرات تمتد إلى ما وراء جمع المخلفات، إذ تتيح للموظفين فهم أثر السلوك اليومي على بيئتنا». أي أن الكيس المملوء نصف المقصود، والنصف الآخر يحدث في رأس من حمله.

ولا يذكر نص الخبر وزن ما جُمع.

أما اليوم العربي للبيئة فيحل في 14 أكتوبر من كل عام، وتذكر صحيفة اليوم السابع أنه يخلّد ذكرى أول مؤتمر وزاري عربي حول شؤون البيئة، عُقد في تونس عام 1986. فالحملة التي نُشر خبرها يوم 18 أكتوبر 2026 تأتي بعد المناسبة بأيام، وعبارة «بالتزامن» في بيان المؤسسة تُقرأ بهذا المعنى الواسع.

من يروي الحكاية: المؤسسة نفسها

مصدر الخبر هنا بيان صادر عن صاحبة الحملة، ويحمل ما تحمله البيانات المؤسسية: وصف للنوايا، واقتباس من مسؤول الاستدامة، وخلاصة تؤكد حرص الجهة على إشراك موظفيها. وهو يقول إن المبادرة تترجم هذا التوجه إلى مشاركة عملية «يمكن متابعة مخرجاتها»، دون أن يعرض أيًّا من هذه المخرجات.

لا يعيب ذلك الحملة. نظافة كيلومتر من الشاطئ تبقى نظافة، ويعرف كل من مشى على رمل مغطى بالأكياس والعلب الفارق بين الحالين، مهما قيل عن الصياغة. لكن السؤال الذي يهم القارئ أعمق من الخبر: ماذا يتغير في من يشارك؟ وهنا تتوفر أبحاث تستحق القراءة بحدودها.

يوم تطوع واحد وتجربة على 221 موظفًا

تعرض مدونة مركز الصحة والرفاه في جامعة IE الإسبانية، في نص منشور في سبتمبر 2025 بقلم مانويلا موسكوسو، دراسة قادها بورتوكاريرو وبوربانو عام 2024. أُجريت الدراسة تجربةً ميدانية عشوائية على 221 موظفًا جددًا في مؤسسة مالية بأمريكا اللاتينية. شارك بعضهم في يوم واحد من النشاط الاجتماعي للشركة، وهو إرشاد طلاب، وخضع الآخرون لتهيئة عادية.

بعد عام، انخفضت الاستقالات بنسبة 50% عند المشاركين مقارنة بمجموعة الضبط. وكان الأثر أقوى عند الرجال (65%) منه عند النساء (25%). وتذكر المدونة أن الرجال أبلغوا بعد أسابيع من المشاركة عن توتر أقل بنحو 30% من نظرائهم في مجموعة الضبط.

تفسر المدونة النتيجة بالمعنى والانتماء في المرحلة المبكرة من الوظيفة، وبأن النشاط انسجم مع تقدير الموظفين للتعليم. ومن الحدود التي ينبغي ذكرها أن العينة جاءت من مؤسسة واحدة وموظفين جدد فقط، وأن نص الدراسة نفسها لم نتمكن من فتحه، فما نعرفه عنها يمر عبر مدونة مركز بحثي. لذلك يُقرأ الرقم كإشارة، لا كقاعدة تنطبق على كل شركة وكل شاطئ.

وتشير المدونة إلى شرط يستحق التوقف عنده: تتضاعف الفائدة النفسية عندما يصمَّم النشاط بصدق ويتوافق مع قيم الموظفين، كما حدث حين انسجم الإرشاد مع تقدير هؤلاء للتعليم. وتنقل عن أحد المشاركين أن اليوم ساعده على أن يستوعب غاية المصرف، بعبارته: «internalize the bank’s purpose of transforming dreams into reality» (أي أن يتشرّب غاية المصرف في تحويل الأحلام إلى واقع).

سؤال بسيط يتفرع من ذلك: هل يشعر موظفو الزبير بأن جمع المخلفات يخصّهم؟ الخبر لا يجيب، فلا يذكر كيف اختير المشاركون، ولا إن كانت المشاركة طوعية بالكامل أم مدعومة بإجازة أو بتشجيع من الإدارة. وللفرق بين الأمرين وزن، لأن ما يعطيه المرء بإرادته يختلف في نفسه عمّا يُطلب منه في يوم عمل.

ما يضيفه مركز أكسفورد

على مستوى أوسع، نشر ويليام فلمنغ، الباحث في مركز أبحاث الرفاه بجامعة أكسفورد، ورقة في «Industrial Relations Journal» في يناير 2024. حللت الورقة بيانات 46,336 عاملًا في أكثر من 230 شركة، ووجدت أن معظم برامج الرفاه في العمل، من تدريب على المرونة النفسية إلى تطبيقات النوم والتدريب عبر الإنترنت، لم يحسّن الرفاه. واستثناء واحد لافت: التطوع ارتبط إيجابيًا بتحسن الرفاه في مكان العمل.

وقال فلمنغ في مقال لمجلة «فورتشن» أدرجه المركز في نوفمبر 2024: «Volunteering was the only one of these interventions» (أي إن التطوع كان الوحيد بين هذه التدخلات) التي أظهرت تحسنًا. وفسّر ذلك بأن التطوع يمنح الوظيفة قدرًا أكبر من المعنى الاجتماعي، خاصة في الشركات الكبرى التي قد يشعر العامل فيها أنه يدور في فلك الأرباح.

تصف صفحة المركز العلاقة بأنها ارتباط، وهذه الكلمة تفصل بين الارتباط والسبب. فمن يتطوعون قد يكونون أصلًا أسعد أو أكثر رضا عن عملهم، ولا تثبت الورقة، كما تعرضها الصفحة، العكس. وما بين أيدينا ملخصان نشرهما المركز عن مقالين في «فورتشن»، لا الورقة ذاتها.

وتضيف المدونة خيطًا ثالثًا هو الامتنان. فهي تستند إلى مراجعة تحليلية نشرها بورتوكاريرو وغونزاليس وإيكيما أغباو عام 2020، جمعت دراسات شملت أكثر من 100,000 مشارك، وخلصت إلى أن الامتنان من أقوى المتنبئات بالرفاه النفسي، لأنه يستدعي مشاعر إيجابية ويبني رصيدًا اجتماعيًا ويخفف القلق والاكتئاب. وتقترح المدونة أن المتطوع يتذوق هذا الامتنان مرتين: حين يشكره المستفيد، وحين يرى حاله من زاوية جديدة. هذه قراءة مدونة لا نتيجة تجربة، وتبقى فرضية معقولة أكثر منها حكمًا.

شهادات من عُمان: التطوع يعطي أكثر مما يأخذ

لا يحتاج الحديث عن أثر العطاء في صاحبه إلى مختبر. ففي مادة نشرتها جريدة عمان عن وكالة الأنباء العمانية في ديسمبر 2025، قالت منى بنت محمد العوفية، وهي ناشطة تطوعية: «كل عمل تطوعي يمنحني الثقة في التعامل مع الناس والمجتمع ككل». وتتحدث العوفية عن مسيرة تطوعية تمتد أكثر من 30 سنة، منها أكثر من 22 سنة متطوعة في الجمعية العمانية للسرطان. أي أن العطاء عندها عادة طويلة النفس لا حملة ليوم واحد. وهذا فارق ينبغي ألا يضيع: يوم الشاطئ لحظة، والتطوع الذي تصفه هي عمر.

وقالت لبنى بنت زهران المعمرية، التي بدأت رحلتها التطوعية عام 2016، إنها أدركت أن «التطوع يمنحك أكثر مما تعطي».

وقال خالد بن مال الله البطاشي، وهو ناشط تطوعي بدأ رحلته من الكشافة حيث تعلم المسؤولية والالتزام وروح الفريق، إن أرسخ لحظاته كانت أثناء جائحة كورونا: «أدركت حينها أننا لا نقدّم خدمة فقط، بل نحمي مجتمعًا بأكمله». ويرى أن الشباب صاروا اليوم يرون في التطوع مسؤولية وفرصة لتعلم المهارات، لا نشاطًا جانبيًا.

وهي شهادات شخصية لا قياس، لكنها تشير إلى الاتجاه نفسه الذي ترجّحه الأبحاث: أن المتطوع هو أول من يتلقى. وربطت دراسة لجامعة تكساس في أوستن التطوع ومساعدة الآخرين ببطء تراجع الذاكرة عند حاملي متغير جيني معين، وهي علاقة ارتباط لا تثبت السبب كما يقول باحثوها.

وفي مصر، طلبت وزيرة التضامن في أكتوبر 2026 إطارًا عربيًا موحدًا لقياس العمل التطوعي. والسؤال الذي يطرحه ذلك الإطار هو نفسه الذي يلاحق حملة السيب: كيف نعرف ما الذي تغيّر بعد أن يعود المتطوعون إلى بيوتهم؟

عطاء بلا شاشة عرض

الخلاصة تقف عند حدود المتاح. لا تكفي حملة واحدة لتعميم، ولا يكفي بحث واحد لتبرير حملة.

بين البيان المؤسسي والدراسة الميدانية مسافة. وفي القراءة الأخيرة يظهر أن للعطاء وجهين لا يتعارضان. وجه أول يراه الشاطئ: كيس وراء كيس حتى يخلو الرمل. ووجه ثانٍ يراه الموظف نفسه، ولا يُرى في الصور: انتماء أقوى، وتوتر أقل، وإحساس بأن للعمل معنى يتجاوز الجدول. ولا يستطيع بيان صحفي أن يثبت الوجه الثاني، ولا ينبغي أن يُطلب منه ذلك.

البيان يحصي المشاركين، 77 موظفًا وكيلومترًا واحدًا، ويصف القيمة بأنها تتجاوز جمع المخلفات. والدراسة تقيس شيئًا آخر: بقاء الموظف أو رحيله، وتوتره بعد أسابيع. وفي ما يخص حملة السيب، لم يُعلن بعد أي قياس من هذا النوع، لا للشاطئ ولا للموظفين.

يبقى ما هو مؤكد، وهو قليل وكافٍ: قال المنظمون إن الحملة جرت يوم 18 أكتوبر 2026، وإن المؤسسة تعد مخرجاتها قابلة للمتابعة.

المصادر

التعرّف على امرأة كريمة

النسخة الصوتية من هذا المقال يقرؤها صوت اصطناعي مولَّد بالذكاء الاصطناعي.

شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.