60 مترًا و20 دقيقة: أبوسمبل تنتظر شمس 22 أكتوبر، وغيوم فبراير 2025 حجبتها عن أكثر من 4,000 زائر
تتجه الأنظار إلى أبوسمبل صباح 22 أكتوبر 2026 لتعامد الشمس على وجه رمسيس الثاني، في لحظة تستغرق نحو 20 دقيقة. وفي فبراير 2025 حجبت الغيوم المشهد عن أكثر من 4,000 زائر.

تستعد مدينة أبوسمبل في محافظة أسوان لاستقبال آلاف الزوار صباح 22 أكتوبر 2026، حين تدخل أشعة الشمس معبد رمسيس الثاني لمسافة تتجاوز 60 مترًا وتضيء وجه التمثال نحو 20 دقيقة. ونفذت الجهات الأثرية أعمال ترميم وتنظيف للنقوش قبل الموعد، في حدث يتكرر مرتين فقط كل عام.
ممر من 60 مترًا ولحظة من 20 دقيقة
يشرح الأثري أحمد صالح، مدير عام النشر العلمي بمنطقة آثار أسوان ومدير آثار أبوسمبل السابق، أن محور المعبد صُمم ليسمح للأشعة بالتوغل مسافة تتجاوز 60 مترًا حتى تبلغ قدس الأقداس. وتستغرق لحظة التعامد نحو 20 دقيقة، بحسب موقع «توريزم نيوز» في 20 أكتوبر 2026. أما الموعدان فهما 22 فبراير و22 أكتوبر من كل عام، كما تذكر «اليوم السابع» في 15 أكتوبر 2026.
الأشعة لا تضيء كل شيء. فبحسب صفحة وزارة السياحة والآثار المصرية عن تعامد فبراير 2024، تصل الأشعة إلى ثلاثة من التماثيل الأربعة داخل القدس، ومنها تمثال رمسيس الثاني، ويبقى التمثال الرابع في الظل.
وعلى الأرض، كانت أعمال الصيانة متواصلة في 15 أكتوبر 2026. فقد تابع فهمي محمود الأمين، مدير عام الإدارة العامة للآثار المصرية واليونانية والرومانية بأسوان، فريق الترميم داخل المعبد، وشملت الأعمال إزالة الأتربة والسناج، وتنظيف الجداريات، وتثبيت الألوان الأثرية، ومعالجة مواضع تساقط القشرة اللونية، بحسب «اليوم السابع». ونفذت الصيانة والتنظيف في معبدي رمسيس الثاني ونفرتاري معًا، بحسب «توريزم نيوز». وأُعلن فتح شبابيك التذاكر مبكرًا يوم التعامد لتيسير دخول الزائرين مع شروق الشمس.
وتقول «الدستور» في 20 أكتوبر 2026 إن محافظة أسوان رفعت درجة الاستعداد إلى القصوى لاستقبال آلاف الزوار والسائحين من مختلف دول العالم، وإن الأجهزة التنفيذية والثقافية تشارك في الاستعداد.
الأمر بسيط في ظاهره: شمس وممر وتمثال. لكن الحدث يجمع حوله مهرجانًا كاملًا، من موسيقى وفرق فلكلورية إلى صيانة للنقوش وشبابيك تذاكر، ولذلك يقرؤه المنظمون فرصة للسياحة الثقافية في الجنوب بقدر ما يقرؤه الأثري أحمد صالح شهادة على تقدم المصري القديم في علوم الفلك والهندسة.
معبد قُطّع إلى 1,035 كتلة كي يبقى الموعد
لم يكن الموعد مضمونًا في ستينيات القرن الماضي. فقد أطلقت منظمة اليونسكو عام 1960 نداءً لإنقاذ معبدي أبوسمبل من الغرق، بسبب مشروع السد العالي عند أسوان وبحيرة ضخمة ستتكون خلفه. وبدأ العمل يوم 1 أبريل 1964 ببناء سد مؤقت وحفر الجرف حول المعبدين، بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية نشرته «صوت أمريكا» عام 2018.
قُطّعت الأجزاء إلى 1,035 كتلة يتراوح وزن كل منها بين 20 و30 طنًا، ثم رُفعت إلى قمة الجرف على ارتفاع 64 مترًا من موضعها الأصلي، وأعيد تركيبها كما كانت. وأُعلن إتمام المشروع في حفل يوم 22 سبتمبر 1968، قال فيه المدير العام لليونسكو رينيه ماهو إنها المرة الأولى التي يرى فيها العالم تعاونًا دوليًا بهذا الحجم في ميدان الثقافة. أما الموقع الأصلي فتغمره اليوم مياه بحيرة ناصر. استغرق الجهد الدولي ثمانية أعوام وشارك فيه مئات العمال، ونقل نحو 20 أثرًا ضخمًا في مجمع أبوسمبل. ويمتد المعبد الأكبر داخل الجرف عبر قاعات ودهاليز بعمق 63 مترًا. وكان بناء السد قد فرض أيضًا نقل عشرات آلاف النوبيين من قراهم، بحسب التقرير نفسه.
ويقول أحمد مسعود، مدير آثار أبوسمبل، إن الظاهرة استمرت بعد النقل لأن المشروع حافظ على المحاور والزوايا التي تسمح بها، وهذا ما تنقله «توريزم نيوز».
وللمشهد سجل مكتوب أقدم من النقل. فقد لاحظت الكاتبة البريطانية أميليا إدواردز وفريقها دخول الضوء إلى القدس شتاء عام 1874، ودوّنت ما رأته في كتابها «A Thousand Miles Up the Nile» الصادر عام 1899، بحسب «جيروزاليم بوست».
غيوم فبراير 2025 وحدود الوعد
الشمس لا تلتزم بجدول الفعاليات.
في فبراير 2025 حجبت غيوم كثيفة المشهد عن أكثر من 4,000 زائر، مصريين وأجانب، وقفوا عند المعبد قبل الشروق، وأكد ذلك فهمي محمود الأمين بحسب «جيروزاليم بوست». وجاء التعامد حينها ضمن مهرجان أسوان الدولي للثقافة والفنون، بمشاركة 26 فرقة فنية محلية ودولية، وقال أحمد مسعود إن الحدث تزامن مع بداية موسم سياحي استثنائي وانتعاش في سياحة أبوسمبل.
وفي أكتوبر 2026 يتكرر التقليد نفسه: يتزامن الموعد مع مهرجان أسوان للثقافة والفنون، وتُختتم فعالياته فجر 22 أكتوبر بعروض فنية عند المعبد، بحسب «توريزم نيوز». وفي أسوان بدأت الاحتفالات مبكرًا من مسرح فوزي فوزي على كورنيش النيل، برعاية وزارة الثقافة، بأوركسترا فرقة الموسيقى العربية وعروض فلكلورية لفرق تعكس الهوية النوبية. ويقول يوسف محمود، مدير عام فرع ثقافة أسوان، إن احتفالات هذا العام تحمل طابعًا وطنيًا وتاريخيًا مميزًا وتدمج الحدث الفلكي بالاحتفال بانتصارات أكتوبر، تحت شعار «جيش الشمس»، وفق «الدستور».
وترى «توريزم نيوز»، وهي موقع متخصص في أخبار السياحة، أن الظاهرة «فرصة لتنشيط الحركة السياحية في جنوب مصر»، وأنها تدعم الطلب على الإقامة الفندقية والنقل والرحلات المنظمة. وتذكر في الوقت نفسه أن المعلومات المتاحة لا تتضمن أسعارًا خاصة للتذاكر ولا برامج للإقامة. من يفكر في السفر إلى أبوسمبل لهذا الموعد لا يجد إذن جدولًا مفصلًا للتكلفة، ولا ضمانًا بسماء صافية.
ما تقوله دراسة عن رحلة تُقصد لمعنى
وصول أكثر من 4,000 شخص إلى معبد ثم عودتهم بلا مشهد يطرح سؤالًا نفسيًا قبل أن يكون سياحيًا: ما الذي يبقى من رحلة لم تكتمل كما وُعد بها؟ لا تتناول دراسة بعينها أبوسمبل، لكن دراسة نُشرت في 30 يناير 2026 في دورية «Frontiers in Psychology» تقترب من السؤال. أجراها الباحثان لي جون ليو وبيان بو من جامعة سيتشوان للسياحة في تشنغدو بالصين.
أجرى الباحثان مقابلات مع 20 سائحًا، ثم استبيانًا على 714 شخصًا، وخلصا إلى خمسة أبعاد للتجربة السياحية ذات المعنى: المتعة، والحرية، والنمو الشخصي، وصنع الذكريات، والتأمل في الحياة. وتقول الدراسة إن هذه التجارب عززت بدرجة دالة إحصائيًا الرفاه السياحي بنوعيه، المرتبط بالمعنى والمرتبط بالمتعة، وعززت الامتنان في اللحظة. وتضيف أن الامتنان في اللحظة والرفاه المرتبط بالمعنى توسّطا في أثرها على الرفاه الذاتي والنفسي، وأن الامتنان بوصفه سمة ثابتة توقّع نتائج الرفاه إيجابيًا.
للدراسة حدودها كما يقرّ مؤلفاها. فقد جرت في سياق ما بعد جائحة كورونا، وقد تختلف أبعاد التجربة ذات المعنى من ثقافة إلى أخرى، ولم تدرس من سمات الشخصية سوى الامتنان. وتذكر الدراسة أن المقابلات أسفرت عن سبعة محاور مرتبطة بصدمة الجائحة وبالسفر، وأن الاستبيان جُمع عبر الإنترنت وفي الميدان. وهي استبيان لا تجربة، فلا تثبت أن الرحلة هي التي صنعت الرفاه. ورصد خبر سابق لنا ارتفاع الفضول عند طلاب بريطانيين سافروا للدراسة، مع بقاء أربع سمات من خمس على حالها.
الأبعاد الخمسة كلها تصف ما يجري أثناء الرحلة. ليس بينها بُعد اسمه رؤية المشهد المنتظر.
الفكرة التي تستحق التوقف عندها هي أن الدراسة لا تقيس نجاح الرحلة بما رآه المسافر وحده، بل بما وجده فيها من حرية ونمو وتأمل. ومن ينتظر قبل الشروق تحت سماء غائمة يقبل سلفًا أن أحدًا لن يؤكد له النتيجة، وهذا جزء من المشوار لا خطؤه. أما أن الغيوم تحرم المسافر من المعنى، فلا تقول الدراسة ذلك ولا تنفيه.
ماذا يعني الموعد لمن يفكر في السفر
يجمع الموعد بين رحلة إلى أقصى جنوب مصر ومهرجان ثقافي في أسوان، وتقول «توريزم نيوز» إن الفعاليات تشجع الزائرين على تمديد إقامتهم واستكشاف معالم أسوان ومحيط بحيرة ناصر. بالنسبة إلى قارئ في الخليج أو المغرب، المعطيات المنشورة قليلة: موعد محدد، وشبابيك تذاكر تفتح مبكرًا، ولا سعر معلنًا. أما الطقس فخارج يد المنظمين، كما أثبت فبراير 2025.
الموعد قصير والمشوار طويل. يصل الزائر إلى الجنوب ويحجز ويستيقظ قبل الفجر ويقف في الطابور، ثم يمنحه الموقع نحو 20 دقيقة. وهذه المعادلة، بحساب من يحب الأرقام، أقرب إلى مقامرة صغيرة منها إلى رحلة مضمونة، وهي مقامرة يعرفها كل من سافر لموعد لا يملكه.
موعد يتكرر مرتين في السنة
تنتظر أبوسمبل صباح 22 أكتوبر 2026 أحد موعديها السنويين، وتصف «الدستور» الحدث بأنه الحدث الفلكي العالمي الأبرز. وبعده يأتي الموعد التالي يوم 22 فبراير، كما تذكر «اليوم السابع».
المصادر
- The unique biannual solar alignment phenomenon at the temple of Ramses II in Abu Simbel، وزارة السياحة والآثار المصرية، فبراير 2024
- Meaningful tourism experiences and the cultivation of wellbeing effects، لي جون ليو وبيان بو، Frontiers in Psychology، 30 يناير 2026
النسخة الصوتية من هذا المقال يقرؤها صوت اصطناعي مولَّد بالذكاء الاصطناعي.
شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.