Refletsأخبار · الحماس والفضول

3.3 مليون زائر لجسر ارتفاعه 625 مترًا في قويتشو، ونزل قروي ينتقل من 9 غرف إلى 52

جسر هواجيانغ الكبير في جنوب غربي الصين، أعلى جسر في العالم بـ625 مترًا، استقبل نحو 3.3 مليون زائر منذ افتتاحه حتى أغسطس 2026، وفق أرقام قدمها مسؤولون محليون لشبكة سي إن إن.

3.3 مليون زائر لجسر ارتفاعه 625 مترًا في قويتشو، ونزل قروي ينتقل من 9 غرف إلى 52
Illustration: Reflets / Strugggl

هوى شاب سبع ثوانٍ نحو قاع وادٍ جنوب غربي الصين، ثم ردّه حبل مطاطي ضخم إلى أعلى وسط تصفيق المتفرجين. حدث ذلك من جسر هواجيانغ الكبير في مقاطعة قويتشو، كما نقلت شبكة سي إن إن الأميركية في تقرير نشرته يوم 26 أكتوبر 2026. يرتفع الجسر 625 مترًا فوق نهر بيبان، وقد استقبل نحو 3.3 مليون زائر منذ افتتاحه في سبتمبر 2025 حتى أغسطس 2026، بحسب أرقام قدمها مسؤولون محليون للشبكة.

جسر بُني للعبور فصار مقصدًا

افتُتح الجسر في سبتمبر 2025، وتعدّه موسوعة غينيس للأرقام القياسية أعلى جسر في العالم. يمتد قرابة 2.9 كيلومتر، ويعلو سطحه عن مياه النهر نحو تسعة أضعاف ارتفاع جسر غولدن غيت في سان فرانسيسكو. وكان الغرض الأول عمليًا: اختصار رحلة عبر الوادي كانت تستغرق نحو ساعتين إلى دقيقتين، وربط القرى الجبلية بشبكة الطرق الوطنية.

لكن ما يجري تحت الإسفلت أوسع من حركة السيارات. يدخل الزوار هيكل الجسر نفسه ويقفون على منصات زجاجية تطل على الوادي، ويتاح لهم القفز بالحبال أو السير في ممر مكشوف تحت الطريق. مراسل سي إن إن مايك فاليريو ارتدى حزام أمان وسار على جانب الجسر على ارتفاع مئات الأمتار، ووصف منظرًا لا يراه معظم السائقين. وتسبق كل قفزة فحوص سلامة: يُشدّ الحزام ويراجع العاملون المعدات قبل أن يقف المتقدم على منصة معلقة أسفل الطريق.

جسر بُني ليوفّر ساعتين، فصار هو الوجهة.

وعلى مدى عقود شيّدت الصين جسورًا ضخمة لتتغلب على تضاريسها الوعرة وتربط المناطق النائية بمراكز المدن. هواجيانغ يطرح سؤالًا مختلفًا، كما تكتب سي إن إن وتنقل عنها صحيفة الشرق الأوسط: ماذا يحدث حين يصير الجسر نفسه مكان الإجازة؟ صُمم الجسر ليمرّ الناس عبره بسرعة. جاء السياح يبحثون عن سبب للتوقف فوقه.

الأرقام وحدها تحكي نصف القصة. النصف الآخر في وصف مراسل سي إن إن لوقوفه على الحافة: هواء مفتوح تحت القدمين، وجبال تمتد حتى الأفق، وصعوبة في استيعاب حجم ما بنته الصين هناك. هذا انطباع زائر واحد.

ما قبل الافتتاح وبعده

لم يكن هذا أول رقم قياسي على النهر نفسه. تذكر مجلة الصين اليوم، نقلًا عن وكالة شينخوا، أن أعلى جسر في العالم قبل هواجيانغ كان يمتد على نهر بيبان أيضًا، وقد افتُتح عام 2016. أما الجسر الجديد فيبلغ طول امتداده الرئيسي 1420 مترًا، وفق المصدر نفسه. وقالت تشانغ ين، مديرة إدارة النقل في المقاطعة، وقت الافتتاح إن المشروع يعزز الارتباط الإقليمي ويُظهر القدرة الابتكارية الصينية، وهو كلام مسؤولة تتبع جهتها المشروع، لا تقييم طرف خارجي.

وفي مارس 2026 أدرجت مجلة تايم الجسر ضمن قائمتها لـ100 مكان من «أعظم أماكن 2026»، وذكرت شبكة سي إن إن في تقريرها عن القائمة أن الممر الزجاجي والمقهى البانورامي والقفز بالحبال من بين ما استجد فيه. ثم تغيرت لغة الأرقام من الهندسة إلى السياحة، فالتقرير الأخير لا يقيس الجسر بالأمتار وحدها، بل بعدد من وصلوا إليه وبقوا قربه.

قرية تراهن على الزوار

في قرية داخل الوادي، عاد الطاهي لين غوكوان بعد سنوات عمل في مقاطعات يونان وتشجيانغ وقوانغدونغ، وبدأ يحول البيوت القديمة، ومنها بيت جدّيه، إلى غرف ضيافة. كان يراهن على أن الجسر الجديد سيجلب زوارًا إلى مكان لم يكن لديهم سبب لزيارته. وأبلغ سي إن إن بأن نزله بدأ بتسع غرف وصار اليوم 52 غرفة، وأنها لا تكفي ضيوفه. يبدو أن الرهان نجح.

الأرقام العامة تسير في الاتجاه نفسه. خلال عطلة رأس السنة الصينية التي استمرت تسعة أيام في فبراير 2026، سُجلت أكثر من 300,000 زيارة في منطقة الخدمات عند الجسر. ولين نفسه صار وجهًا معروفًا على منصة دويين، النظير الصيني لتيك توك، إذ يتابعه أكثر من 100 ألف شخص وهو يبث جمال قريته والجسر فوقها. ويقول إن كثيرين يحجزون في نزله بعد مشاهدة مقاطعه ويسألونه عن نصائح السفر.

في بلدة هواجيانغ القريبة ظهرت متاجر ومقاهٍ ملونة جديدة، وسمّى صاحب أحد المقاهي مقهاه «CloudBridge». تفاصيل صغيرة، لكنها تقول إن الجسر أنتج حول نفسه اقتصادًا من الأكواب والغرف والمقاطع المصورة، لا حركة مرور وحدها.

للحجز عبر الإنترنت شرط آخر هو الشبكة. فقد كانت تغطية الهاتف المحمول محدودة في المنطقة، ثم وسّعتها شركة الاتصالات الحكومية تشاينا موبايل بالتعاون مع هواوي، وأضافت محطات لاستيعاب أعداد الزوار. وقال تشو جيانغوو، من إدارة الاستراتيجية في هواوي الصين، إن جسرًا في العالم الرقمي ضروري بقدر الجسر المادي. وهو كلام شركة تصف شبكتها، وينبغي أن يُقرأ على هذا الأساس.

على الطرف الآخر من سلّم الضيافة يقف فندق أونايمونت، وفيه 83 غرفة، وقد صُمم جزءًا من مشروع أكبر لبناء صناعة سياحة حول الجسر. كل غرفة فيه تطل على الجسر مباشرة. وتقول كاو لوياو، مديرة التسويق والاتصال في الفندق، إن السياح لم يعودوا يأتون لرؤية الجسر فقط، بل صار بإمكانهم المبيت بجواره، وإن هذا ينقل السياحة المرتبطة به من زيارات عابرة إلى إقامات أطول. ومثل الفندق، تروّج الإدارة المسؤولة عن الجسر لتجربته، فمن الطبيعي أن يكون توصيفها إيجابيًا.

ولا تنفرد قويتشو بهذا النمط. ففي مصر مثلًا، زار وفد أوغندي مطبخ فندق في القاهرة ثم قرية البدرشين ليتعلم كيف تصير المائدة المصرية رحلة، وهي قصة أصغر حجمًا لكنها تنطلق من الفكرة ذاتها: أن يصير المكان الريفي سببًا للسفر.

وللأسر نصيبها من المشهد أيضًا. يتذكر شي بوران، مدير مكتب مشروع هواجيانغ في مجموعة قويتشو للاستثمار في النقل، أن عرسانًا جددًا أقاموا مراسم زفافهم والجسر الضخم خلفهم. وهو يروي ذلك ضمن ذكريات سنة أولى حملت له مفاجآت لم يتوقعها.

كم جسرًا يكفي؟

تضيف الأرقام السياحية سؤالًا يصعب تجاهله بعد عقود من بناء الجسور في الجبال: ما الذي يبرر بناء الجسر التالي؟ درست لي لينا، الأستاذة المشاركة في جامعة بكين العادية، 295 جسرًا عاليًا في قويتشو، ووجدت أن متوسط إسهامها في تحسين إمكانية التنقل على مستوى المقاطعات الإدارية تراجع. كان نحو 8% بين 2010 و2015، ونزل إلى نحو 5% بين 2015 و2020، مع اتساع شبكة الطرق السريعة التي قلّلت الحاجة إلى معابر إضافية.
سي إن إن: إن المكاسب الهامشية لكل جسر إضافي تتناقص. لكنها لا تعدّ عهد الجسور العملاقة منتهيًا. ففي المقاطعات الغربية الجبلية النائية والأقل نموًا، المقطوعة بالأودية والأنهار، قد يحقق جسر عالٍ إضافي مكاسب واسعة اقتصاديًا وفي النقل. وترى أن تعريف القيمة الاقتصادية للجسر يتغير: لم يعد يقاس بالرحلات الأقصر وتكاليف النقل الأقل وحدها، فمثل هواجيانغ يعطي المسافرين سببًا لزيارة مكان ربما لم يفكروا فيه. أما السؤال الحاسم للمستقبل، بتعبيرها، فهو أين تُبنى هذه الجسور وأي مشكلة محددة يحلّها كل جسر.

الحصيلة إذن مبكرة.

والأرقام التي بين أيدينا ما زالت من طرف واحد. عدد الزوار صادر عن مسؤولين محليين، ولا يذكر التقرير إحصاءً مستقلًا له. وتشير سي إن إن إلى أن تحوّل ملايين الزوار في السنة الأولى إلى ازدهار دائم أمر لم يُحسم بعد.

ما الذي يستحق الانتباه للمسافر

لمن يتابع أخبار السفر والاستكشاف، تحمل القصة ثلاث ملاحظات محددة. الأولى أن الوجهة قد تولد من مشروع نقل صُمم لغرض آخر، كما يفهم من وصف CNN لغرض الجسر. والثانية أن التجربة المعروضة مضبوطة بإجراءات: حزام وفحص معدات ومنصة معلقة قبل القفزة الواحدة، ولا يحتاج الزائر إلى القفز أصلًا ليستمتع بالمنظر من المنصات الزجاجية. والثالثة أن الخبرة هنا مرتبطة بالمكان المحيط بها: الغرفة التي تطل على الجسر، والقرية التي تستضيفك، والمقهى الذي حمل اسمًا يجمع الغيوم والجسر.

الغاية من القفز أو المشي المعلق تبقى شخصية، ولا يوصي بها التقرير أحدًا. الجسر في النهاية مكان مفتوح لمن يشاء أن يقترب منه بالقدر الذي يناسبه، ومن يكتفي بالنظر من المنصة الزجاجية يرى الوادي نفسه.

هكذا يبدو المغامر في هذه الحكاية أقل شبهًا بمن يتحدى الحافة وحده، وأكثر شبهًا بزبون في اقتصاد محلي كامل يعيد ترتيب نفسه حول نقطة عبور.

من قافلة تجار إلى جسر يُقصد لذاته

قبل قرون، كان التجار والمسافرون يقضون في اجتياز هذه التضاريس الوعرة ما يصل إلى شهر. واليوم يقطع الناس مئات الأميال ليتأملوا الوادي من فوق جسر، بعدما كان الهدف كله أن يتجاوزوه. هذا ما تختم به سي إن إن تقريرها: جسر أُقيم ليحمل الناس إلى مكان آخر، وصار هو المكان الذي أرادوا الوصول إليه.

المصادر

التعرّف على امرأة مستكشفة

شخصية مولّدة بالذكاء الاصطناعي: ليست الشخص المذكور في المقال ولا أي شخص حقيقي.