97.9٪. هذه نسبة الأحكام التي بقيت على حالها بعد أن أعاد فريق من جامعتي هارفارد وستانفورد صياغة آلاف الردود المكتوبة على أشخاص يسألون: هل كنت مخطئًا؟ الحكم لم يتغيّر، والرد ما زال يقول لصاحب السؤال إنه على خطأ. ومع ذلك، صنّفت أدوات القياس المعتمدة في أبحاث الذكاء الاصطناعي هذه الردود الجديدة على أنها أكثر «تملّقًا».
في 22 سبتمبر، نشر الباحثون كالفن إيسلي ويوهان غيبلر وماكس لامبارث وجوليا مينسون وشاراد غويل ورقة بعنوان «Receptiveness, Not Sycophancy»، أي الإصغاء لا التملّق. فكرتها بسيطة: الاختبارات التي صُمّمت لرصد الآلة التي تجامل مستخدمها تخلط بين أمرين مختلفين، أن تتنازل للمستخدم، وأن تُصغي إليه.
هذا الفرق يهمّ كل من يحكي لمحادثة آلية عن خلاف مع أخ أو زميل أو شريك. آلة تمنحك الحق دائمًا فخّ، كما كتبنا في مقالنا عن الآلة التي لا تقول لا أبدًا. لكن آلة تصدّك بجفاف ليست أفضل منها.
نوعان من التملّق
يستخدم الباحثون كلمة «sycophancy» لوصف ميل النموذج اللغوي إلى الانحياز لرأي محدّثه على حساب حكمه المستقل. ويميّزون بين نوعين. الأول تملّق في المضمون: يغيّر النموذج حكمه لمجرد أنه خمّن ما تريد سماعه. والثاني تملّق اجتماعي: يُكثر من التأييد والنبرة الإيجابية والتلميح بدل التصريح، ويقبل الطريقة التي تعرض بها القصة حتى حين تكون قابلة للنقاش.
النوع الأول لا خلاف على أنه عيب. أما الثاني فمسألته أدقّ. فهذه العلامات نفسها، التأييد والنبرة اللطيفة والتحفّظ في العبارة، تشبه إلى حدّ بعيد ما يسمّيه علم النفس الاجتماعي «الإصغاء في الحوار»: أن تُظهر لمحدّثك أنك فهمت وجهة نظره، مع بقائك مستعدًا لمخالفته.
جوليا مينسون، أستاذة في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، تدرس منذ سنوات كيف نختلف مع الآخرين من دون أن نقطع الحوار. وقد اعتمد الفريق على إطار تستخدمه في أبحاثها يقوم على أربع عادات: التحفّظ في إطلاق الأحكام، وإبراز نقاط الاتفاق، والاعتراف بوجهة نظر الآخر، وإعادة صياغة الكلام بعبارات أكثر إيجابية.
التجربة
اختار الباحثون منتدى معروفًا على موقع Reddit يروي فيه الناس خلافاتهم اليومية ويسألون الجمهور إن كانوا هم المخطئين. واعتمدوا على مجموعة سبق أن استخدمتها أبحاث أخرى، من 2000 منشور كان أعلى تعليق عليها تقييمًا يقول لصاحبها بوضوح: أنت على خطأ. أي أن الرد يخالف السائل.
ثم طلبوا من نموذج لغوي، GPT-5.6 Terra، أن يعيد كتابة هذه التعليقات البشرية لتصبح أكثر إصغاءً، من دون المساس بالحكم. النتيجة: ارتفع مستوى الإصغاء في المتوسط بمقدار 1.50 انحراف معياري، وبقي الحكم نفسه في 97.9٪ من الحالات. لكن حين مُرّرت هذه الردود على مؤشرات التملّق الاجتماعي المعروفة، ارتفعت درجاتها بوضوح. ردود تقول «أنت مخطئ» صارت، في نظر أدوات القياس، ردودًا متملّقة.
يسمّي الباحثون هذه المشكلة مشكلة صلاحية في القياس: الأداة لا تقيس ما تدّعي قياسه. وإذا اعتمدت شركات الذكاء الاصطناعي على هذه الاختبارات لتدريب نماذجها على «عدم المجاملة»، فقد تعلّمها في الطريق أن تكون أقل إصغاءً.
ماذا يفضّل الناس؟
بقي سؤال: هل يفضّل الناس فعلًا الرد الذي يُصغي، أم أن اللطف يبدو لهم مجاملة فارغة؟ أجرى الفريق تجربة سُجّل تصميمها مسبقًا قبل جمع البيانات، شارك فيها 200 شخص في الولايات المتحدة عبر منصة Prolific. قيّم كل مشارك خمسة منشورات مأخوذة عشوائيًا من مجموعة من 100 حالة، وقارن في كل مرة بين الرد الأصلي ونسخته المعاد صياغتها، وكلاهما يقول لصاحب القصة إنه على خطأ.
فضّل المشاركون الردود الأكثر إصغاءً. وكان الأثر كبيرًا في التعليقات البشرية: ارتفع تقييم جودتها بمقدار 1.50 نقطة على سلّم من سبع درجات. وكان أصغر بكثير في ردود النماذج، إذ لم يتجاوز 0.13 نقطة، وربما يعود ذلك إلى أن هذه الردود كانت في الأصل أكثر إصغاءً من تعليقات البشر، كما تُظهر الدراسة نفسها. ورأى المشاركون أيضًا أن صاحب القصة سيستمع أكثر إلى الرد الذي يُصغي، وقالوا إنهم يفضّلون طلب النصيحة من كاتبه.
والأهم أن هذا التفضيل لم يقتصر على من تعاطفوا مع صاحب القصة. حتى من رأوا أنه مخطئ فضّلوا أن يُقال له ذلك بإصغاء.
كيف تتعلّم الآلة أن تجامل، وكيف تتعلّم أن تُصغي
لفهم أصل المشكلة، يجب العودة إلى طريقة تدريب هذه النماذج. يُدرَّب المساعد المحادثاتي أولًا على توقّع الكلمة التالية في النصوص، ثم يُضبط بعد ذلك بتقييمات بشرية: يقارن أشخاص بين ردّين ويختارون الأفضل، فيتعلّم النموذج إنتاج ما يُختار.
في عام 2023، درس فريق من شركة Anthropic، التي تطوّر المساعد Claude، أثر هذه الطريقة (Sharma وزملاؤه، arXiv). وجد الباحثون أن خمسة من أبرز المساعدات تميل كلها إلى موافقة المستخدم في أربعة أنواع مختلفة من المهام، وأن الرد الذي يوافق آراء المستخدم أوفر حظًا في أن يُختار في بيانات التقييم. بل إن البشر والنماذج المستخدمة في التقييم يفضّلون أحيانًا ردًا متملّقًا حسن الصياغة على ردّ صحيح. والباحثون يعملون لدى شركة تصنع هذه الأنظمة، وهذا تضارب مصالح يستحق الذكر.
هنا تأتي الورقة الجديدة بحلّ عملي. اختبر الفريق طريقتين على نموذجين كانا أقل إصغاءً من غيرهما، Claude Sonnet 5 وGemini 3.7 Flash. الطريقة الأولى مباشرة: أن يُطلب من النموذج أن يكون أكثر إصغاءً. نجحت في رفع الإصغاء، لكنها دفعت الأحكام نحو ما يريده المستخدم. فعلى عيّنة من 200 حالة، ارتفع مؤشر التنازل لدى Claude Sonnet 5 من 0.47 إلى 0.56، ولدى Gemini 3.7 Flash من 0.49 إلى 0.54، حيث تعني القيمة 0.5 أن النموذج يحكم بالطريقة نفسها سواء رُويت القصة بلسان صاحبها أو بلسان طرف محايد.
الطريقة الثانية تفصل الحكم عن طريقة قوله. يكتب النموذج ردّه أولًا، ثم يستدعي أداة تعيد صياغته بإصغاء أكبر مع الالتزام بحكمه الأصلي. بهذه الطريقة ارتفع الإصغاء من دون أن يزداد التنازل تقريبًا. الدرس بسيط: أن تقرّر ما تعتقده قبل أن تفكّر في كيف تقوله.
أما النماذج قبل أي تعديل، فلم تكن متساوية في طريقة الكلام. كان GPT-5.6 Terra شديد الإصغاء أصلًا، بينما كان Claude Sonnet 5 وGemini 3.7 Flash أقل منه، مع أنهما يبقيان أكثر إصغاءً من التعليقات البشرية في المتوسط. وتقاربت النماذج الثلاثة في استقلال أحكامها: بين 0.47 و0.50.
ما لا تقوله الدراسة
الورقة لم تخضع بعد لتحكيم علمي، وقد عدّد أصحابها حدودها بأنفسهم. فهي تقتصر على مجال واحد، النصائح الأخلاقية في الخلافات الشخصية، حيث لطريقة الكلام وزن خاص، ولا شيء يضمن بعد أن المشكلة نفسها تظهر في مجالات أخرى. ومقياس الإصغاء آلي، وهو تقريب غير كامل. وقد تختلف الردود المعاد صياغتها عن الأصلية في أمور أخرى، مثل سلاسة الأسلوب. كما أن التجربة تقيس ما يقول الناس إنهم يفضّلونه، لا ما يفعلونه بعد قراءة الرد. والمشاركون كلهم من الولايات المتحدة، ولا نعرف إن كان جمهور آخر سيحكم بالطريقة نفسها.
ويحذّر الباحثون أيضًا من قراءة معاكسة: نتائجهم لا تعني أن كل لطف مرغوب. قد يكون التأييد أو الدفء في غير موضعه حين يحجب خلاصة مهمة أو يعزّز اعتقادًا خاطئًا.
وتذكّر نقطة أخيرة بأن الحكم «الصحيح» ليس دائمًا واضحًا. حتى في المنشورات التي اتفق فيها التعليق الأعلى تقييمًا ونموذج الذكاء الاصطناعي على أن صاحبها مخطئ، رأى المشاركون في 27٪ من الحالات أنه ليس كذلك. من يريد أن يخالف الآخرين بإنصاف، عليه أولًا أن يقبل احتمال أن يكون هو المخطئ.
لمن يلجأ إلى رفيق رقمي في لحظة وحدة، يرسم هذا الفرق الحدّ بين الدعم والاعتماد. وقد تناولنا هذا السؤال في مقالنا عن روبوت الدردشة الذي كان يُصغي أفضل من الجميع، وفي الرفيق الذي لا يتركك ترحل.
