في 29 سبتمبر 2026 أصدر مجلس معايير الإعلان في الهند (Advertising Standards Council of India، ويُختصر ASCI) إرشادات لوسم المحتوى المولَّد اصطناعيًا في الإعلانات. صارت العلامة التجارية ملزمة بأن تعلن أن المؤثر أو السفير الإعلاني من صنع الآلة، بعد مهلة قدرها ثلاثة أشهر من تاريخ النشر. ويشمل الإلزام وجوهًا لا أصل لها في الواقع، ومنتجات لا وجود لها بعد.
ما الذي قرره المجلس، ومتى
المجلس منظمة تنظيم ذاتي مستقلة وطوعية، تقول على موقعها إنها تسعى إلى أن تكون الإعلانات في الهند عادلة وصادقة ومتوافقة مع مدونتها. نشرت مسودة الإرشادات في 8 مايو 2026، وجاءت النسخة النهائية بعد مشاورات مع الأطراف المعنية، بحسب ما نقلته Storyboard18.
يركز الإطار على أثر المحتوى الاصطناعي في المستهلك، لا على التقنية التي أنتجته. فالإرشادات تحدد أربعة مجالات: المحتوى الممنوع، والوسم الإلزامي، ما لا يحتاج إلى وسم، وطريقة صياغة الوسم نفسه.
يصبح الوسم إلزاميًا حين يؤثر المحتوى الاصطناعي تأثيرًا جوهريًا في قرار المستهلك، ويكون غيابه مضللًا. وتذكر الإرشادات المؤثرين والسفراء المولَّدين اصطناعيًا، واستنساخ صورة شخص حقيقي أو صوته بموافقته في رسائل شخصية، والأحداث والمواقع المفبركة التي تغير فهم المستهلك للمنتج، وعروضًا لمنتجات غير موجودة اليوم، ومؤثرات صوتية مرتبطة بصميم وظيفة المنتج. أما توصيات المنتجات المدفوعة التي يولدها الذكاء الاصطناعي فيجب أن تحمل وسمًا محددًا هو Sponsored by متبوعًا باسم العلامة.
يمكن للمعلن أن يكتب “Audio/Video created using AI” أو “Audio/Video enhanced using AI”، أو أن يستعمل الوسم الذي تقدمه المنصة، أو صياغة بديلة تصف طبيعة المحتوى بدقة.
أين يمر الخط بين ما يُوسَم وما يُعفى
كانت المسودة تقسم الإعلانات إلى ثلاث فئات خطورة، بحسب تحليل مكتب Khaitan & Co المنشور في 27 مايو 2026. الفئة العالية تضم إعلانات مخالفة للقانون أو مضللة، ومثالها إعلان يعرض طبيبًا مولَّدًا بالذكاء الاصطناعي يروّج لمكمل غذائي كي يوحي بتزكية طبية. والمتوسطة تضم ما يغيّر قرار المشتري، ومنه المؤثر الاصطناعي. أما الفئة الدنيا فتضم التعديلات الروتينية.
الوسم لا يبرّئ إعلانًا مضللًا.
هذه هي النقطة التي شددت عليها مانيشا كابور، الأمينة العامة والرئيسة التنفيذية للمجلس، حين قالت إن الإرشادات توضح الحالات التي لا يجعل فيها مجرد وسم الذكاء الاصطناعي إعلانًا مضللًا مقبولًا: “it clarifies where the mere use of an AI label may not make an otherwise misleading advertisement acceptable”. والمعنى أن الشهادة المفبركة والموقع الوهمي المعروض على أنه حقيقي والصورة المنتحلة بلا موافقة تبقى محظورة، سواء وُضع عليها ملصق أم لا.
في الجهة المقابلة، لا يحتاج الإعلان إلى وسم إذا اقتصر الذكاء الاصطناعي على تصحيح الألوان وضبط الإضاءة وإزالة الضجيج وتنقية العيوب الطفيفة، أو على عناصر زخرفية وتأثيرات خيالية واضحة. وتُعفى أيضًا الاستعمالات الإدارية والنصية، ومنها كتابة النص الإعلاني، وأدوات إتاحة المحتوى مثل الترجمة النصية والترجمات والوصف الصوتي الدقيق.
لاحظ أن الوسم يخص الوجوه والأصوات، ولا يخص الكلمات. نص إعلاني كتبته آلة لا يحتاج إلى ملصق في إرشادات المجلس. وهذا يتسق مع قواعد وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات الهندية (MeitY) التي أُقرت في فبراير، إذ تذكر Freshfields أن النص المولَّد بالذكاء الاصطناعي لا يدخل في تعريفها للمعلومات المولَّدة اصطناعيًا.
كيف يُصنع وجه لا وجود له
المؤثرة كيرا (Kyra) أُطلقت عام 2022 عن استوديو Futr Studios في بنغالورو، وهي شخصية بُنيت بمحركي Unreal Engine وMaya المستخدمين في الألعاب والأفلام. وصفتها Forbes India بأنها المؤثرة التي لا وجود لها. ولأنها صُنعت قبل موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فهي لا تبدو واقعية، بل أقرب إلى شخصية في لعبة فيديو.
لها 260,000 متابع على إنستغرام و103,000 على يوتيوب، وأنجزت 15 حملة لعلامات مثل لوريال باريس وبوت وأمازون برايم فيديو وأميريكان توريستر وتيتان. وبعض مقاطعها الإعلانية بلغ 74 مليون مشاهدة، كما جاء في تقرير المجلة الصادر في 23 أكتوبر 2024.
أما ناينا (Naina) فتُصنع بطريقة مختلفة. تعمل عن استوديو Avtr Meta Labs في مومباي، وأُطلقت في أكتوبر 2022. تصوّر عارضة حقيقية المشهد، ثم يعود التسجيل إلى المختبر فيُستبدل وجه العارضة بوجه ناينا المولَّد بالذكاء الاصطناعي، ويُغيَّر الصوت كذلك. وتقول المجلة إن تقنية تبديل الصوت هي نفسها المستعملة في مقاطع التزييف العميق. ويقول مؤسس الاستوديو أبهيشيك رازدان عن ميزة هذا الأسلوب: “I can swap the face for a Korean one, or a British or Latin one”، أي أنه يستطيع استبدال الوجه بوجه كوري أو بريطاني أو لاتيني.
هذه هي الآلية التي تفسر لماذا يريد المعلنون هذه الوجوه، ولماذا يريد المنظمون وسمها. شخصية كيرا ظاهرة الاصطناع، وناينا مصممة كي تُرى في العالم الحقيقي مع أشخاص حقيقيين. وربما كان الوسم أهم في حالة ناينا منه في حالة كيرا.
وفي طبقة المنصات، تعمل قواعد MeitY التي أُعلنت في 10 فبراير 2026 ودخلت حيز التنفيذ في 20 فبراير. تطلب القواعد وسمًا مرئيًا للمحتوى المرئي، وإفصاحًا صوتيًا للمحتوى الصوتي، وبيانات وصفية دائمة أو معرّفًا فريدًا حيثما أمكن تقنيًا. وكانت مسودة أكتوبر 2025 تقترح أن يغطي الوسم ما لا يقل عن 10% من مساحة الصورة، لكن النسخة النهائية أسقطت هذا الشرط واكتفت بوسم «واضح وبارز»، كما تذكر Freshfields. وقد قال المجلس إن إرشاداته تنسجم مع تعديل MeitY، بحسب Mondaq.
ما تقوله الدراسة عن الملصق
يقدّم المعلنون أسبابهم بصراحة. نقلت Forbes India عن سينها، كبير مسؤولي المعرفة في شركة Ampersand Advisory الماليزية، أن التقنية تمنح صاحب الشخصية سيطرة كاملة على الرسالة، وأن المؤثر الاصطناعي لا يشيخ ويتكلم لغات عدة ويسافر بلا كلفة. وهذه سيطرة تشبه ما تناولناه في الآلة التي لا تقول لا أبدًا: وجه لا يختلف مع من يدفع له.
وتنقل المجلة نتائج «مركز تسويق المؤثرين» (Influencer Marketing Hub) في كوبنهاغن: 62.2% ممن شملهم استطلاع 2024 استعملوا مؤثرين افتراضيين، مقابل 60.4% في العام السابق. السوق إذن قائمة، والسؤال هو ما يفعله الملصق بثقة المتابع.
تحاول دراسة منشورة في 22 نوفمبر 2025 في Journal of Marketing & Social Research الإجابة. أجرت الباحثة فاطمة جوزر أوجّينوالا تجربة بين مجموعات على 320 مستخدمًا لمواقع التواصل، وقارنت المؤثر الاصطناعي بالبشري، والإفصاح الصريح بغيابه. وجدت أن المؤثرين الاصطناعيين يخفّضون الأصالة المُدرَكة والثقة بالعلامة قياسًا بالبشر، وأن الإفصاح الصريح يزيد الأثر. وكان أصحاب الثقافة الرقمية الأعلى أقل تأثرًا سلبيًا.
للدراسة حدود يجب ذكرها. هي عمل باحثة واحدة في مجلة صغيرة مفتوحة الوصول، والصفحة المتاحة تقتصر على الملخص ومقدمة الدراسة، والملخص لا يذكر بلد المشاركين. ولا ينبغي بناء حكم على 320 شخصًا. غير أن اتجاهها يشرح لماذا قد تفضّل علامة تجارية أن يمرّ الوسم دون أن يلحظه أحد.
والمسألة تتجاوز الإعلان. فإذا كان محاور آلي قادرًا على تخفيف الشعور بالوحدة، كما عرضنا في روبوت الدردشة الذي كان يُصغي أفضل من الجميع، فمن حق المتابع أن يعرف من يحدّثه.
حدود القاعدة
أول الحدود أن المجلس طوعي، كما يصف نفسه، وإرشاداته تخص الإعلانات في الهند. أما من يقرر أن الذكاء الاصطناعي أثّر تأثيرًا جوهريًا في المستهلك، فهو المعلن نفسه. وكتبت Whalesbook أن العبء صار على المعلنين لتحديد النقطة التي يتجاوز فيها استعمالهم للذكاء الاصطناعي الخط إلى التأثير الجوهري.
والحد الثاني يخص المنصات. انتقدت منظمة WITNESS، وهي منظمة تعمل على الوسائط الاصطناعية وحقوق الإنسان، قواعد MeitY في 18 فبراير 2026. رأت أن المعرّف الفريد المطلوب يحدد المورد الحاسوبي للوسيط، ولا يوثق كيف صُنع المحتوى أو عُدّل. وطالبت بمعايير مفتوحة مثل C2PA، وهي «بيانات اعتماد المحتوى» الموقّعة تشفيريًا والتي تسجل كل تعديل وأداة. وقال مديرها التنفيذي سام غريغوري: “provenance that doesn’t travel across platforms isn’t provenance”. أي أن أصل المحتوى الذي لا ينتقل بين المنصات لا يُعد أصلًا موثقًا.
وتضيف المنظمة أن أدوات كشف المحتوى الاصطناعي تعطي نتائج متفاوتة بين أنواع الملفات، وفيها أخطاء إيجابية وسلبية كثيرة، فلا تصلح أساسًا للإلزام القانوني. وتشير Freshfields إلى أسئلة مفتوحة حول نطاق التدابير التقنية المعقولة التي تُطلب من المنصات المطلوبة. وهذه الانتقادات موجهة إلى قواعد الوزارة، لا إلى إرشادات المجلس.
ما ينتظر بعد ذلك
تبدأ المهلة من تاريخ نشر الإرشادات في 29 سبتمبر، أي أن موعد التطبيق يقع بحسب هذا الحساب في نحو نهاية ديسمبر 2026. وتقول Whalesbook إن ما يستحق المتابعة في الربع المقبل هو سرعة تكيّف العلامات الاستهلاكية الكبرى مع شروط الشفافية قبل انتهاء المهلة.
يبقى تفصيل لا تحسمه الإرشادات. كيرا تبدو كشخصية لعبة، ولن يحتاج المتابع إلى ملصق ليعرف ما أمامه. أما الوجه الذي يظهر إلى جانب أشخاص حقيقيين، كما تفعل ناينا، فهو الذي سيحمل الملصق، إن حمله.
