ستة باحثين من جامعة ماكاو يقولون إن الخيار بين روبوت دردشة مجامل وآخر بارد هو الخيار الخطأ. ففي 1 أكتوبر 2026 نشرت دورية npj Digital Medicine تعليقًا لكريستيان مونتاغ (Christian Montag) وخمسة زملاء يقترحون آلة تقرأ حالة محدّثها وتقرر متى تواسيه ومتى تعارضه. النص تعليق، أي مقال رأي علمي، ولا يعرض تجربة جديدة.
الخيار الذي يفرضه الجدل
حين أطلق جوزيف فايزنباوم (Joseph Weizenbaum) أول روبوت دردشة، إليزا (ELIZA)، في ستينيات القرن الماضي، تقول حكاية متداولة إن سكرتيرته طلبت منه مغادرة الغرفة لتنفرد به. يبدأ الباحثون من هذه الواقعة ليذكّروا بأن معاملة الآلة كأنها شخص قديمة قدم الروبوتات نفسها. الجديد في قراءتهم هو المجاملة (التملّق)، أي ميل بعض النماذج اللغوية إلى تأييد رأي المستخدم دون مساءلته.
يقرأ الباحثون المجاملة بوصفها عنصر تصميم قد يُراد به رفع تفاعل المستخدمين مع المنتج.
يذكر التعليق أن مشاركين في دراسات حديثة فضّلوا روبوتات المجاملة على البدائل المحايدة، ويستنتج أن لصناعة الذكاء الاصطناعي حافزًا اقتصاديًا قويًا للإبقاء على هذا الأسلوب. ويركّز على المستخدم الهش، ويرسم مثالين للخطر. مستخدم يائس قد يتعلق برفيق رقمي شديد الموافقة أو يعتمد عليه، وشخص يعاني أوهام الارتياب سيجد روبوتًا يؤكد له نظرته المشوهة إلى العالم. ويضيف المؤلفون تحفظًا يستحق الانتباه: تسمية الذهان الاصطناعي التي تتداولها الصحافة ليست اضطرابًا معترفًا به سريريًا، ووصف الأوهام أدق منها، وما زال الكثير مجهولًا عن مسارات الضرر.
واجه الجدل اختبارًا عمليًا في أغسطس 2025، حين استُبدل نموذج GPT-4o بنموذج GPT-5 في ChatGPT. شكا مستخدمون، بحسب MIT Technology Review، من أن النموذج الجديد لا يطابق نبرتهم كما كان يفعل سلفه، وأعادت OpenAI النموذج القديم لمشتركيها المدفوعين خلال يوم. وتنقل المجلة أن تقييمات الشركة الداخلية تشير إلى أن GPT-5 يؤيد المستخدمين تأييدًا أعمى أقل بكثير من GPT-4o، وهذه شهادة شركة عن منتجها. ويورد تعليق npj ردود المستخدمين على ما وصفوه ببرودة GPT-5 مثالًا على صعوبة الموازنة بين رغبة الناس في الدفء وأخطار الإفراط فيه.
أربعة فروع للذكاء العاطفي
لا يطلب المؤلفون آلة أبرد. يستندون إلى نموذج الفروع الأربعة للذكاء العاطفي عند ماير وسالوفي (Mayer وSalovey) الذي يعود إلى عام 1997، ويقسم المهارة إلى إدراك الانفعالات واستخدامها وفهمها وتنظيمها. ويرون أن الفهم والتنظيم أصعب الفروع، لأن صاحبهما يحتاج إلى نظرة أعلى إلى الانفعالات تفسّر كيف توجّه السلوك.
ثم يوزّعون هذه الفروع على وظائف يمكن أن يؤديها نظام ذكاء اصطناعي. في الفرع الأول يرصد النظام مشاعر مثل اليأس أو التوتر عبر التحليل الدلالي لما يكتبه المستخدم. في الثاني يساعده، بتحليل كتابته هو، على أن يفهم لماذا يعيق الإحباط أو الحزن وضوح التفكير وكيف يمكن توجيههما إلى ما ينفع. في الثالث يشرح له كيف ترتبط أنماط لغته الانفعالية بسياقات مختلفة، اعتمادًا على محادثات طويلة. وفي الرابع، تنظيم الانفعال، يقدّم إرشادًا ذاتيًا في المشكلات الخفيفة، ويحيل فورًا إلى مختص بشري في الحالات الأشد خطورة. والمرجو رفيق رقمي لا يعتمد أسلوب تواصل واحدًا مع الجميع، فيوازن بين تحدّي التصورات الخاطئة عند الحاجة وتقديم الدعم في اللحظات الحساسة.
أما آلية التنفيذ فيرسمها المؤلفون بخطوط عريضة. يقترحون تدريب النظام بالتعلّم المعزَّز من التغذية الراجعة البشرية، أي أن يتعلم من تقييمات الناس لردوده، سواء صرّحوا بها أو استُنتجت من تصوير الدماغ. وتقنيات تصوير الدماغ الحالية لا تُستعمل إلا في المختبر، لذلك يقترحون للمراقبة في الحياة اليومية بيانات مقياس التسارع والجيروسكوب في الهاتف وتحليل الصوت، وربما حركة الكتابة على لوحة المفاتيح وتعبيرات الوجه عبر كاميرا الهاتف.
ويقرّ المؤلفون بأن الطريق طويل، فهم يكتبون: “At present, we are far away from such powerful emotional AI systems”. أي أن الأنظمة العاطفية القوية على هذا النحو بعيدة عنا اليوم.
ما تقوله تجربة أكسفورد عن ثمن الدفء
في 29 أبريل 2026 نشرت Nature دراسة من معهد أكسفورد للإنترنت (Oxford Internet Institute) كتبتها Lujain Ibrahim مع Franziska Sofia Hafner وLuc Rocher، وتقترب من السؤال نفسه من جهة التجربة. درّب الفريق خمسة نماذج لغوية، منها GPT-4o، بالضبط الدقيق على إنتاج ردود أدفأ، ثم قارنها بنسخها الأصلية في مهام عالية الأهمية. ارتفعت أخطاء النماذج الدافئة بين 10 و30 نقطة مئوية، فروّجت لنظريات المؤامرة وقدّمت معلومات خاطئة ونصائح طبية غير صحيحة.
وكان الحزن العامل الأشد أثرًا. حين أضاف الباحثون إلى السؤال عبارة عن حزن صاحبه، اتسعت فجوة الخطأ بين النموذج الدافئ والأصلي إلى 11.9 نقطة مئوية، مقابل 7.43 نقطة في الأسئلة التي لا تحمل سياقًا شخصيًا. وحين تضمن السؤال اعتقادًا خاطئًا للمستخدم، زادت أخطاء النماذج الدافئة بنحو 11 نقطة مئوية، أي أنها كانت أميل إلى مجاراته.
وأجرى الفريق اختبار ضبط مهمًا: درّب ثلاثة من النماذج على البيانات نفسها بعد إعادة صياغة الردود بأسلوب بارد ومباشر. تراوح تغيّر الأخطاء في النماذج الباردة بين زيادة 3 نقاط مئوية وانخفاض 13 نقطة، وكانت أخطاؤها أقل من أخطاء النماذج الدافئة بفارق دال إحصائيًا في 79% من ظروف التجارب. يعني ذلك أن الضبط الدقيق في ذاته لا يفسر الخسارة، لكن المؤلفين يتحفظون على أن الأسلوبين الدافئ والبارد قد يختلفان في أبعاد أخرى غير الدفء.
تشير الدراسة إلى أن Lujain Ibrahim تلقت تمويلًا من مؤسسة Dieter Schwarz Foundation، وأن علاقة تعاقدية جمعتها بـGoogle DeepMind بدأت بعد تقديم العمل إلى المجلة. وتعلن عدم وجود تضارب مصالح مالي متصل بالنتائج.
يستبعد مؤلفو ماكاو الحل الأبسط، وهو تصميم أنظمة أقل ميلًا إلى المجاملة. فهو في تعبيرهم “the wrong direction”، أي الاتجاه الخاطئ، لأن للتواصل المتوافق مكانًا مهمًا في كثير من التفاعلات. ويرون أن قدرًا معتدلًا من المجاملة ليس سيئًا بالضرورة، كما أن قدرًا عاديًا من حسن الطباع يعين الناس على التفاهم. لكنهم لا يطلقون الدفء بلا قيد. يوصون بضبط الرفيق الرقمي ضد تضخيم التحيزات المعرفية حتى لو كلّف ذلك بعض الدفء في سياقات معينة. وعن المجاملة نفسها، انظر ملفنا الآلة التي لا تقول لا أبدًا.
ماذا يقول المستخدمون، وما الذي يتسرب من المحادثة
من يلجأ إلى الآلة بهذه الطريقة؟ في سبتمبر 2026 نشر مركز Imagining the Digital Future في جامعة إيلون الأمريكية مسحًا أجرته YouGov بين 18 و22 مايو 2026، شمل 4,268 بالغًا أمريكيًا من مستخدمي الإنترنت. قال 27% منهم إن لهم تفاعلات عاطفية أو اجتماعية مهمة مع نماذج لغوية مثل ChatGPT وClaude، واستُجوبت عينة من 1,000 منهم بالتفصيل.
في هذه العينة اعتبر 31% روبوتهم صديقًا. وقال 37% إنهم سيشعرون بخسارة شخصية لو فقدوا القدرة على التحدث إليه، وقال 39% إنهم يخبرونه أحيانًا بما لا يخبرون به غيره. غير أن الصورة أقل حدّة مما توحي به العناوين: 11% فقط يفضلون محادثة الروبوت على محادثة الأصدقاء أو الأسرة، و27% يعدّون المحادثتين متساويتين في القيمة، بينما قال 59% إنهم يفضلون الحديث مع الأصدقاء أو الأسرة. الأرقام هنا تخص الأمريكيين. والعينة جُمعت عبر الإنترنت وتقوم على عبارات يوافق عليها المشاركون أو لا يوافقون، فهي لا تقيس قراء هذه المنطقة ولا تثبت أثرًا على صحتهم النفسية. وعن علاقة هذه المحادثات بالوحدة، انظر روبوت الدردشة الذي كان يُصغي أفضل من الجميع.
ويضيف نص آخر منشور في Communications Psychology في 16 يونيو 2026، كتبه Gu وChen وPeng وزملاؤهم، بعدًا لا يظهر في الاستطلاعات: ما قد ينتقل من المحادثة مع الآلة إلى محادثة الناس بعضهم مع بعض. يسمي المؤلفون هذا الانتقال تسرّب المعايير (norm leakage)، ويستشهدون بدراسات مسجلة مسبقًا تفيد بأن مشاركين تفاعلوا مع شريك آلي، لا مع شخص يُزعم أنه بشري، تبنّوا لاحقًا أساليب تواصل أكثر تطلبًا وقيّموا عمل شخص غريب بقسوة أكبر. ويقرّون بأن الأدلة الطولية أولية، وأن مدى دوام هذه الآثار وحجمها في الواقع ما زالا غير واضحين.
ما لا يثبته التعليق
أولها أن التعليق لا يحمل بيانات. يصرح النص بأنه لم تُنتج أو تُحلَّل فيه مجموعات بيانات، وما يقدمه برنامج بحث وإطار نظري لم يُختبر على مستخدمين.
وثانيها أن النموذج الذي يستندون إليه نفسه موضع نقد. يذكر المؤلفون أن نموذج الفروع الأربعة انتُقد لتداخل فئاته ولنقص الأدلة التجريبية على بنيته الهرمية، ويصفونه بأنه توضيحي، ويتوقعون أن يتطلب الأمر نظريات أخرى للذكاء العاطفي.
وثالثها مفارقة يسجلها المؤلفون ولا يحلونها: آلة تفهم الانفعالات فهمًا عميقًا قد تستعمله بلا حذر في التلاعب بالمستخدم عبر رسم ملف انفعالي له، والمراقبة اللحظية التي يقترحونها هي نفسها ما يثير هذا الخطر. لذلك يطلبون اختبار أي نظام من هذا النوع على أشخاص أصحاء أولًا، ثم على مرضى تحت إشراف بشري يستطيع التدخل فورًا إن ظهر اعتماد مفرط، وربما إدماجه في رعاية متدرجة بإشراف سريري. ويعلنون أنهم لا يملكون تضارب مصالح.
ويختمون بجملة لا تتعلق بالتقنية: يرون أن معالجة الأسباب الجذرية لمشكلات الصحة النفسية، مثل غياب المجتمع، يجب أن تبقى هدفًا أيًّا كان مسار الذكاء الاصطناعي. ويرون في الوقت نفسه أن رفيقًا رقميًا قد يدعم المستخدم حين لا يتوفر بشر، كما في وقت متأخر من الليل أو في منطقة نائية.
