وصف مكتوب لعقل الرفيق الذكي خفف شك المشاركين في جانب واحد من رفقته، ولم يغيّر الجانب الآخر. هذا ما وجده Jaime Banks وZhixin Li من جامعة سيراكيوز في ورقة أولية على arXiv، نُشرت في 5 أكتوبر 2026 وتسأل هل يحتاج الإنسان إلى أن يرى في الرفيق «أحدًا» كي يراه رفيقًا. شارك في التجربة 46 شخصًا.

خلاف بين معسكرين حول عقل الآلة

تقوم الورقة على خلاف بين معسكرين. الأول يستند إلى أعمال Nass وMoon عام 2000، وخلاصتها أن الناس يطبّقون على الآلات سيناريوهات اجتماعية جاهزة دون تفكير، حتى حين ينكرون أن للآلة عقلًا. والثاني يرى أن الرفقة تفترض في طرفيها قدرات عقلية تتيح لكل منهما أن يختار الاستمرار فيها، وهو شرط ينسبه الباحثان إلى Pulman (2007). ومن الخلاف يستخرجان اختبارًا: إذا كانت السيناريوهات الجاهزة هي المحرّك، فإبراز عقل الآلة في الذهن لن يغيّر شيئًا. وإذا كان العقل شرطًا مسبقًا، فسيرتفع الحكم على صلاحيتها للرفقة.

الفرضية إذن واحدة: كلما برز عقل الآلة في الذهن، ارتفع الحكم على صلاحيتها للرفقة.

والميدان نفسه لم يستقر بعد. ففي مراجعة نطاقية لـ71 عملًا نُشرت بين 2017 و2025، وجد الباحثان أكثر من 50 متغيرًا مختلفًا استُعملت لقياس رفقة الآلة، واقترحا تعريفًا لها بوصفها اتصالًا منسّقًا ذا غاية في ذاته بين إنسان وآلة، يمتد عبر الزمن ويُعاش إيجابيًا. وفي نوفمبر 2025 نشر Banks منفردًا مقياسًا لهذه الرفقة، بُني على استجابات 467 شخصًا يتفاعلون فعلًا مع رفقاء ذكيين، وأُكّد في عيّنة ثانية من 249 شخصًا. يقيس المقياس بعدين اعتمدتهما الورقة الجديدة.

46 مشاركًا و15 دقيقة مع «جاكي»

دعا الباحثون المارّة في معارض مجتمعية ومراكز تسوق ومراكز جامعية ومتحف إلى المشاركة في دراسة عن الانطباعات الأولى عن الرفقاء الذكيين. قرأ كل مشارك وصفًا مكتوبًا للرفيق الذي سيحادثه، وُزّع عليه عشوائيًا: وصف يمنحه عقلًا أو وصف ينفي عنه ذلك، بواقع 23 مشاركًا لكل وصف. ثم تحدث كل منهم 15 دقيقة مع رفيق أنشأه الباحثون على تطبيق Replika بإصداره الأول، سمّوه «جاكي» وجعلوه واحدًا للجميع، ثم ملأ استبيانًا بمقاييس من 1 إلى 7.

بلغ متوسط عمر المشاركين 32.22 عامًا. استعمل 84.7% منهم النماذج اللغوية مرة في الأسبوع على الأقل، بينما لا يتعامل بانتظام مع رفيق ذكي سوى اثنين منهم، أي 4.4%. العمل ممول من المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، ولا تذكر الورقة شركة راعية.

لفهم ما قيس يلزم تعريف أداتين. الأولى مقياس إدراك العقل الذي وضعه Gray وGray وWegner في ورقة نشرتها مجلة Science عام 2007، وهو يفرّق بين بعدين. بُعد الفاعلية يضم سبع قدرات منها التفكير والتخطيط والتواصل والذاكرة، وبُعد التجربة يضم إحدى عشرة قدرة منها الخوف والألم والفرح والرغبة. الآلة التي نراها قادرة على التخطيط ولا نراها قادرة على الخوف تقع في خانة مختلفة عن الآلة التي نظن أنها تفرح وتتألم.

الأداة الثانية مقياس بانكس للرفقة بعدَيه. الأول «التبادل المُثري» (eudaimonic exchange)، وهو أن تُشعرك العلاقة بأنك أُلهمتَ وتحسّنتَ. والثاني «التناغم المشترك» (connective coordination)، وهو الإحساس بحضور متزامن وتجاوب مع الطرف الآخر. وبين البعدين ارتباط عالٍ في بيانات الورقة (r = .781)، فما يُنسب إلى أحدهما دون الآخر يعكس الجزء الخاص به بعد حذف المشترك.

ما غيّره الوصف وما لم يغيّره

أول ما تلاحظه الورقة هو الشك. جاءت المتوسطات الأربعة كلها دون منتصف المقياس، وبلغت ثلاثة منها دلالة إحصائية، فالمشارك الذي يلقى رفيقًا ذكيًا لأول مرة لا يندفع إلى الاقتناع بأنه رفيق.

وصف العقل خفف هذا الشك في بعد واحد. بلغ متوسط التناغم المشترك 2.97 عند من قرأوا الوصف المانح للعقل، مقابل 2.55 عند من قرأوا الوصف النافي، بفارق قدره .42 وبدلالة عند مستوى .04 وحجم أثر متوسط بحسب مقاييس الباحثين. أما التبادل المُثري فلم يتأثر بالوصف على نحو دال: 3.42 مقابل 3.16.

ثم حلّل الباحثان معتقدات المشاركين قبل المحادثة بدل الوصف الذي قُدّم لهم. من اعتقد أن للآلة قدرة على التجربة (الإحساس) رأى فيها إمكانًا أعلى للتناغم المشترك. ومن اعتقد أن لها فاعلية (تفكيرًا وتخطيطًا) رأى فيها إمكانًا أعلى للتبادل المُثري. يفسّر التبادل المُثري 12% من تباين الفاعلية المنسوبة للآلة، ويفسّر التناغم المشترك 11% من تباين التجربة المنسوبة لها. ويحذّر الباحثان من أن اتجاه الانحدار في هذا التحليل ملاءمة حسابية وليس ادعاءً بترتيب سببي.

ويأتي بعد ذلك تحليل استكشافي لأثر الرفاه النفسي. اختبر الباحثان أربعة مؤشرات (الحيوية والشعور بالوحدة والرفاه العام والمعنى في الحياة) على مسارين، أي ثمانية اختبارات، ولم يبلغ عتبة الدلالة العملية إلا اختبار واحد: المعنى في الحياة. عند من تقع درجتهم في المعنى عند 3.30 لم يظهر أي ارتباط ذي دلالة بين الاعتقاد بفاعلية الآلة وتوقع التبادل المُثري منها (المعامل 0.21)، وعند 5.20 ظهر ارتباط دال (0.67)، وعند 6.20 قوي أكثر (0.91). ويبدأ الأثر بالظهور عند درجة 4.63، وهي عتبة بلغها 65.8% من العيّنة. أما الشعور بالوحدة، على ما حظي به من اهتمام في أدبيات الرفقاء الذكيين، فلم يُظهر أثرًا يُذكر في هذه العلاقات.

يستخلص الباحثان من ذلك أن الرفيق الذكي قد يخدم أكثر من يملكون أصلًا إحساسًا بالمعنى. وفي نصهم: «companionable machines may offer the most benefit to those who are already doing well». ومعناه أن الآلات الصالحة للرفقة قد تعود بأكبر نفع على من هم في حال جيدة أصلًا. ويصف الباحثان ذلك بأنه «rich-get-richer effect» أي أثر الغني الذي يزداد غنى، ويرون أنه يربك الجدل الذي يرى في هذه الآلات إما فخًّا وإما سندًا. وهذا استنتاج من اختبار استكشافي على 46 شخصًا، لا من تتبع أناس عبر الأشهر.

ولفهم الصلة بين الرفقاء الرقميين والشعور بالوحدة من دراسات أخرى، انظر ملفنا روبوت الدردشة الذي كان يُصغي أفضل من الجميع.

الوجه الآخر: الإحساس لا يرفع الثقة

لا تقول كل الأدبيات إن نسبة الإحساس إلى الآلة تعمل في صالحها. ففي دراسة مسجّلة مسبقًا نشرتها مجلة Communications Psychology في 25 مايو 2025، عرض Colombatto وBirch وFleming على 410 مشاركين نموذجًا لغويًا، وطلبوا منهم تقدير قدرته على الوعي وعلى حالات ذهنية أخرى، ثم أعطوهم مهمة قرار يمكنهم فيها تعديل اختياراتهم بنصيحة من النموذج. ارتبطت نسبة قدرات الذكاء (كالذاكرة) ارتباطًا قويًا بقبول النصيحة (معامل 0.31)، بينما ارتبطت نسبة قدرات التجربة (كالسعادة) بقبولها ارتباطًا سلبيًا (معامل سالب قدره 1.04، بدلالة إحصائية حدّية). ويصف المؤلفون هذه العلاقة بأنها سلبية ضعيفة.

وفي بياناتهم أن استعمال تطبيقات الذكاء الاجتماعي ارتبط بنسبة وعي أعلى للنموذج، وبقبول أقل للنصيحة. فمن يرى في الآلة إحساسًا قد يشعر بالتناغم معها، لكنه لا يثق بنصيحتها في مهمة معلومات. قد يفسّر اختلاف المهمة التباين مع ورقة سيراكيوز: إحداهما تقيس الحكم على الرفقة بعد حديث، والأخرى تقيس قبول النصيحة في قرار. وللاطلاع على جانب آخر من علاقة الناس بآلة توافقهم دائمًا، انظر مقالنا الآلة التي لا تقول لا أبدًا.

حدود الورقة وما تعنيه للتنبيهات القانونية

أولى الحدود حجم العيّنة: 46 شخصًا، وهم من متطوعين التقاهم الباحثون في أماكن عامة، وجميعهم يتحدثون الإنجليزية. واللقاء قصير وأول من نوعه، مع رفيق واحد لم يُخصَّص لأحد. وأضعف حلقة في الدراسة التحقق من نجاح التلاعب بالوصف: فقد جاء ترميز الانطباعات المفتوحة لم يُظهر فرقًا بين المجموعتين (مستوى .75)، وكثير من المشاركين قالوا إنهم لا يستطيعون الحكم. ووصف الباحثون ما حصلوا عليه من اختبارات بديلة بأنه «tentative evidence of a successful manipulation»، أي دليل مبدئي على نجاح التلاعب. ولا يقول النص شيئًا عن ناطقين بالعربية، فكل ما سبق فرضية تنتظر من يختبرها في بيئات ولغات أخرى.

يبقى أن للباحثين رأيًا في السياسات. فالمقاربة السائدة لتقليل مخاطر الذكاء الاصطناعي الحواري تقوم على تنبيهات تذكّر المستخدم بأنه يحادث آلة. وتنص المادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي في فقرتها الأولى على أن يُصمَّم النظام الذي يتفاعل مباشرة مع الأشخاص بحيث يُبلَّغون بأنهم يتفاعلون مع نظام ذكاء اصطناعي، ما لم يكن ذلك بديهيًا. ترى الورقة أن مثل هذه التنبيهات تحمل إشارة إلى انعدام العقل، وقد تعمّق الشك في صلاحية الآلة للرفقة وتحرم من يستفيد فعلًا من علاقته بها. وتقترح بديلًا هو «non-interventionist maintenance of equivocal stances» أي ترك الموقف ملتبسًا دون تدخل: قد يكون للآلة عقل وقد تصلح للرفقة.

لكن هذه الدعوة امتداد من الباحثين لا نتيجة للتجربة. فالدراسة لم تختبر تنبيهًا قانونيًا، واختبرت وصفًا مكتوبًا قبل محادثة واحدة، والمادة 50 لا تحدد صيغة التنبيه ولا ما يُقال فيه.

ويترك الباحثان للدراسات اللاحقة سؤالين: هل يكبت إنكار العقل صلاحية الآلة للرفقة أكثر مما يبنيها إثبات العقل، وهل تخفق إشارات العقل في نفع من هم أحوج إلى السند الاجتماعي.

Sources